وعلى هذه الجاٌدة البديعة يوظّف ابن الجوزي رحمه الله تعالى ـ عباراته وجمله البلاغية لينفذ من خلالها إلى قلب المدعو فينفث في نفسه حبٌ الله تعالى وحب رسوله - صلى الله عليه وسلم - والوقوف على أمره ونهيه كما جاء في الوحيين. وقد يخلط ذلك أحيانًا بدعابة أو ظرفة لتكون أسرع في مناجاة المدعو. مثال ذلك قوله:"بلغني عن بعض الكرماء أن رجلا"سأله فقال: أنا الذي أحسنت إلي يوم كذا وكذا، فقال مرحبًا بمن يتوسٌل إلينا بنا، ثم قضى حاجته. فأخذت من ذلك إشارة، فناجيتُ بها، فقلت: أنت الذي هديته من زمن الطفولة، وحفظته من الضلال الخ". (1) "
ومن الأمثلة القوية على براعته اللفظية والوعظية قوله: عرض لي في طريق الحج خوف من العرب، فسرنا على طريق، فرأيتُ من الجبال الهائلة، والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق عز وجل في صدري، فصار يعرض لي عند ذكر تلك الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها ....". (2) "
وابن الجوزي ذوّاقة للشعر، فقد استشهد بنحو مائة بيت من الشعر الفصيح، أغلبه في الزهد والحكمة والوصايا. لكنه قد يورد شعرًا فيه نوع مخالفه لينبّه على خطئه وحتى لا يغتّر به سامعه. فقد أورد قول الشبلي الصوفي.
إذا طالبوني بعلم الورق ... برزت عليهم بعلم الخِرق
وقد عقًب عليه ابن الجوزي قائلًا:"وهذا من خفي حيلٍ إبليس" {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} (3) .
وإنما فعله وزّينه عندهم لسببين: أحدهما:
أنه أرادهم يمشون في الظلمة. و الثاني: أن تصفح العلم كل يوم يزيد في العالم ...". (4) "
ومن مظاهر قيمة الكتاب العلمية أيضا أنه حفظ لنا بعض دواوين العلم والتراث الإسلامي التي كادت أن تنسى أو يغفل عنها. فقد أشار ابن الجوزي في صيد الخاطر إلى كتاب"جزء ابن عرفة"فقال:" وقد حكي لي عن بعض أصحاب الحديث أنه سمع"جزء ابن عرفة"عن مائة شيخ، وكان عنده سبعون ... نسخة .... ". (5)
وقد يورد أسماء بعض الكتب النادرة في ثنايا مصنفه، ويذكر عنها حكاية مستنكرة أو خبرًا يوضح موضوع الكتاب، مثال ذلك قوله:"ومن هذا الفن"أبو بكر بن مقسم"، فإنه عمل كتاب"الاحتجاج للقراء"فأتى فيه بفوائد، إلا أنه أفسد علمه بإجازته أن يٍقرأ به ثم تفاقم ذلك منه، حتى أجاز ما يفسد المعنى، مثل قوله"
تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا} (6) ، فقال: يصلح أن يقال هنا: (نُجِيّا) أي خلصوا كرامًا برآءَ من السرقة.
(1) صيد الخاطر: (ص / 331) .
(2) المرجع نفسه: (ص / 142) .
(3) سورة سبأ: الآية 20.
(4) "صيد الخاطر": (ص / 90) .
(5) "صيد الخاطر": (ص / 154) . وابن عرفة هو: الحسن بن عرفه العبدي، من رجال الحديث، بغدادي مْعمًر، كان مسند زمانه. توفي سنه 257 هـ.
(6) سورة يوسف: الآية 80.