المطلب الرابع: استدراكاته على الوعاظ:
ابن الجوزي أستاذ في الوعظ والدعوة , وعظ الناس في صباه وشبابه وشيخوخته. تعلم فن الوعظ من شيوخه , وصقله بمواهبه وقدراته الذاتية. ومما أعانه على مهنته براعته في اللغة والبلاغة وحفظ نصوص الوحيين. ولهذا السبب أقبل على وعظه الناس من أمراء وعلماء وسوقه وبسطاء , فكانوا يقدرون بالمئات. فاستدراكات الشيخ هنا مهمة لأنه أمضى حوالي ثمانين سنة من عمره يعظ ويدرس ويعلم ويخالط العوام والعلماء والأمراء. وقد وقفت على جملة مهمة من استدراكاته على الوعاظ , أسوق منها ما يلي:
الموضع الأول: قال في الخاطرة رقم (60) عن منكرات الوعاظ:"تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ يعتقدها العوام والجهال قربة , وهي منكر وبعد. وذاك أن المقرئ يطرب ويخرج الألحان إلى الغناء والواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى، فيصفق هذا ويخرق ثوب هذا!! ويعتقدون أن ذلك قربة , ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى توجب طربًا للنفس ونشوة, فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم , وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا. وكذلك المقابريون منهم , فإنهم يهيجون الأحزان , ليكثر بكاء النساء , فيعطون على ذلك الأجرة ولو أنهم أمروا بالصبر لم ترد النسوة ذلك وهذه أضداد للشرع".
وقال أيضا - في الموضع نفسه:"وفي الوعاظ من يتكلم على طريق المعرفة والمحبة فترك الحائك والسوقي الذي لا يعرف فرائض تلك الصلاة يمزق أثوابه , دعوى لمحبة الله تعالى."
وقال أيضا:"أحوج الناس إلى البلاغة الواعظ , ليجمع مطالبهم لكنه ينبغي أن ينظر في اللازم الواجب وأن يعطيهم من المباح في اللفظ قدر الملح في الطعام , ثم يجتذبهم إلى العزائم , ويعرفهم الطريق الحق"
وقال أيضا:"اليوم كثر الإعراض عن العلم , فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ , يرده عن ذنب ويحركه إلى توبة , وإنما الخلل في القاصي , فليتق الله - عز وجل -".