المخالفة الثالثة: التبرك بالقبور.
يميل ابن الجوزي - في بعض كتبه - أحيانًا إلى بدعة التبرك بالقبور , والمقصود بالتبرك بالقبور: اعتقاد البركة في تراب القبر , والدعاء عند القبور , واعتقاد نفعها وبركتها. فقد ذكر في"صيد الخاطر"... (الخاطرة: رقم 46) ما نصه:"وكثر ضجيجي من مرضي وعجزت عن طب نفسي , فلجأت إلى قبور الصالحين , وتوسلت في صلاحي , فاجتذبني لطف مولاي إلى الخلوة على كراهة مني , ورد قلبي علَي بعد نفور عني , وأراني عيب ماكنت أوثره".
وقال في (الخاطرة رقم: 207) :"فهذا معروف كان منفردًا بربه , طَيب العيش معه , لذيذ الخلوة به , ثم قد مات منذ أربعمئة سنة , فما يخلو أن يهدى إليه كل يوم ما تقدير مجموعة أجزاء من القرآن , وأقله"
من يقف على قبره فيقرأ {قُُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (1) ويهديها له , والسلاطين تقف بين يدي قبره ذليلة , وهذا بعد الموت ويوم الحشر تنشر الكرامات التي لا توصف , وكذلك قبور العلماء المحققين. ولما بليت أقوام بمخالطة الأمراء , أثر ذلك التكدير في أحوالهم كلها: فقال سفيان بن عيينه: منذ أخذت من مال فلان الأمير , منعت ما كان وهب لي من فهم القرآن وهذا أبو يوسف القاضي لا يزور قبره اثنان!"."
وقال في (الخاطرة رقم:203) :"وإني رأيت جماعة يومأ إليهم: منهم من يقول: لا أدفن إلا في دكة أحمد بن حنبل. ويعلم أن في ذلك كسر عظام الموتى , ثم يرى نفسه أهلًا لذلك التصدر , ومنهم من يقول: إدفنونى إلى جانب مسجدي , ظنًا من انه يصير بعد موته مزارًا كمعروف الكرخي!".
مما تقدم يمكن استنتاج ما يلي:
أ - ابن الجوزي يميل إلى الإعتقاد بقبور الصالحين كما يظهر من بعض عباراته.
ب - ابن الجوزي ينهى ويحذر في بعض مصنفاته من إتخاذ القبور مساجد حيث قال:"وقد أغرب أهل"
زماننا بالصلوات عند قبر معروف وغيره , وذلك لغلبة الجهل وملكة العادات". (2) "
(1) سورة الاخلاص: الآية: 1.
(2) ابن الجوزي: كشف المشكل 2/ 50.