وفي قول يحيي بن معين:"كتبتُ بيديَ ألف ألف حديث" (1) ليدرك أنَّ المرويات الإسلامية الواسعة لم تتهيأ لهؤلاء الجهابذة إلا بالحفظ والمذاكرة والتدوين ومثافنة الشيوخ في شرق المعمورة وغربها. ولهذا السبب قال الحافظ ابن حجر: إنَّ شروط التسمية بالحافظ ثلاثة:
1 -الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال، لا من الصحف.
2 -المعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم.
3 -المعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون. (2)
والمرويَّات على أقسام:
أ: مرويات من الوحيين. ... ب: مرويات عن أهل الكتاب.
جـ: مرويات الصحابة. ... د: مرويات التابعين.
فمرويات الوحيين إما أن تكون حديثًا قدسيًا، كقول الله عز وجل:"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (3) ، وإما أن تكون مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله:"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ..." (4) . ولكلٍ منهما أحكام وقواعد تُنْظر في مَظانَّها.
وهناك مرويات عن أهل الكتاب، يجوز لنا أن نُحَّدث بها من غير تصديق ولا تكذيب لها، إلاّ ما وافق شرعنا فنؤمنُ به ونصِّدقه ونحِّدث به. وفي الحديث:"ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلًا لم تصِّدقوه، وإن كان حقًَّا لم تكذِّبوه". (5)
وفي الحديث أيضًا:"بلِّغوا عنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". (6) وللحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - تأصيل جيِّد لهذه المسألة أورده في كتابه الماتع"فتح الباري". (7)
أما مرويات الصحابة - رضي الله عنهم - فَيُقْصد بها أقوالهم وأحكامهم التي نطقوا بها، وهي ممَّا لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، ولها حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الاستدلال بها وقوة الاحتجاج. والراسخون من العلماء في الأصول يقيِّدون هذا الحكم بألاّ يعرف عن الصحابي الأخذ من الإسرائيليات. ومن
البديهي عند الأصوليين: أنَّ قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد من الصحابة صار إجماعًا وحجة عند جماهير العلماء. (8)
(1) النكت على كتاب ابن الصلاح: (1/ 268) .
(2) النكت على كتاب ابن الصلاح: (1/ 268) .
(3) أخرجه البخاري: (كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة -"رقم الحديث 3244") ، وأخرجه مسلم: (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب صفة الجنة -"رقم الحديث 2824") .
(4) أخرجه البخاري: (كتاب العلم - باب تعليم الرجل أمته وأهله -"رقم الحديث 97") ، وأخرجه مسلم: (كتاب الإيمان - باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس - رقم الحديث"154") .
(5) أخرجه أبو داود:"السنن"- دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى - 1409هـ (كتاب العلم) ..
(6) أخرجه البخاري: (كتاب الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل -"رقم الحديث 3460") ، وأخرجه الترمذي: ... (كتاب العلم - باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل - رقم الحديث 2669) وإسناده صحيح.
(7) ابن حجر:"فتح الباري"- بيت الأفكار الدولية - الطبعة الأولى - 1428هـ: (7194)
(8) ابن تيمية:"المسّودة في أصول الفقه"- دار التراث - الطبعة الأولى - 1408هـ: (ص / 335) .