فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 249

وقد انتصر لهذا الرأي يخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة من مصَّنفاته. (1) وأكثر أهل العلم يستدلون على حجية قول الصحابي بقول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} . (2)

وبما جاء في الصحيحين مرفوعًا:"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه". (3) ومن الأمثلة على أقوال الصحابة، قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:"حَدِّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟". (4) وقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:"لأن أحلف بالله كاذبًا أحُّب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا". (5)

ومرويات التابعين الغالب فيها أنها مستفادة من أقوال الصحابة مع زيادة معنى أو تعليق فائدة أو توضيح خفيّ. لكن أهل العلم لا يسلِّمون بعصمتها وقبولها إذا عارضت الوحي أو أحكام الشريعة. وكان الإمام مالك

يقول:"كل يؤخذ من قوله ويردّ عليه إلا صاحب ذلك القبر". (6) - يقصد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم -. ولا يخفى على من له أدنى اطلاع وسبر لتقاسيم المحدثين أنَّ التابعين مُقسَّمون إلى ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: كبار التابعين: كسعيد بن المسيب، وبقية الفقهاء السبعة وهم: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمه بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وغيرهم ممن رووا عن كبار الصحابة.

الطبقة الثانية: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن، وابن سيرين.

الطبقة الثالثة: طبقة صغار التابعين الذين حدثوا عن صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم.

ويرى بعض أهل العلم أن آخر عصر التابعين يكون في حدود خمسين ومائة من الهجرة. (7)

وهنا قاعدة نفيسة يجب التنبيه عليها وهي أنَّ مصادر المرويات الإسلامية لا يجب الجزم بقبولها إلا إذا كان الإسناد ثابتًا مقبولًا. بل إن الإسناد من خصائص هذه الأمة المحمدية. وما أجمل قول عبد الله بن المبارك:"لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". (8) ولما كثرت الأسانيد واختلطت, عكف جهابذة المحدثين على استخراج أصح الأسانيد. ومما يؤثر عن الإمام البخاري قوله:"أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر". وهذا الإسناد يطلق عليه سلسلة الذهب، لاجتماع الأئمة الثلاثة في هذا الإسناد. (9) وللحاكم والسخاوي لطائف حسنة في بيان أصح الأسانيد لا غِنى لطالب العلم عن النظر فيها والإفادة منها. (10)

(1) "مجموع فتاوى ابن تيمية": (20/ 14) ، و"المسَّودة": (ص / 335) .

(2) سورة التوبة: الآية 100.

(3) أخرجه البخاري: (كتاب فضائل الصحابة - باب قول الرسول صلى الله عليه وسلم"لو كنت متخذًا خليلًا"-"رقم الحديث 3/ 361") - ومسلم: (كتاب فضائل الصحابة - باب تحريم سبّ الصحابة -"رقم الحديث 2541") .

(4) أخرجه البخاري: (كتاب العلم - باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم -"رقم الأثر 127") .

(5) "فتح المجيد": (ص / 582) وأخرجه عبد الرزاق في"المصنف": (8/ 469) والطبراني في الكبير (8902) ، قال الهيثمي في"مجمع الزوائد": (4/ 177) رواته رواة الصحيح.

(6) "فتاوى السبكي": (1/ 148) وفيه أنَّ هذه العبارة نقلها مجاهد عن ابن عباس، وأخذها مالكٌ عنهما واشتُهِرت عنه.

(7) "محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح"للبلقيني: (ص / 455 - وما بعدها) .

(8) "الكفاية في علم الرواية"للخطيب البغدادي" (ص / 282) ."

(9) السخاوي:"فتح المغيث شرح ألفية الحديث"- دار الحديث - القاهرة - الطبعة الاولى: (1/ 23) .

(10) الحاكم:"معرفة علوم الحديث": (ص / 55 - 58) ، و للسخاوي:"فتح المغيث" (1/ 24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت