فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 249

المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية ببغداد في القرن السادس الهجري:

المجتمع البغدادي في القرن السادس الهجري لا يختلف كثيرًا عن القرون التي سبقته، وقد ذكر ابن الجوزي في كتابه"المنتظم"أن عامة أهل بغداد كانوا يؤلفون خليطًا من العرب والفرس والتُّرك والنَّبُط والأرمن والجركس والكرج والبربر، ولو أنَّ تسمية هؤلاء جميعًا بالعرب قد غلبت عليهم لانصهارهم في بوتقة الشعب العربي وسيادة اللغة العربية التي هي اللغة الأصيلة للوطن العباسي. ومن طبقات المجتمع أهل الذمة , وكانوا يتمتعون بكثير من سياسة التسامح الديني ويقيمون شعائرهم في أمن وطمأنينة، وكان كثير من الخلفاء يحضرون مواكبهم ويشتركون في الاحتفال بأعيادهم ويزورون أديرتهم في مناسبات معينة، ويغدقون عليهم الهبات والعطايا.

كان الزهاد والمتصوفة يتخذون من المساجد مساكن أو يلجئون إلى سكنى الأكواخ، وكانت دور العامة تبنى غالبًا من طابق واحد. أما مواد البناء فكانت الجص والآجر والكَلْس والنورة (الجير) ، وكانت السقوف تتخذ من جذوع النخل وأغصان الأشجار. (1)

لقد شهد ابن الجوزي شيئا من الفتن الاجتماعية والأوبئة والمجاعات والتفاوت الطبقي في المجتمع، ولقد قَصّ في كتابه"المنتظم"بعضًا من الحوادث المؤسفة والخطيرة التي كانت تتعرض لها بغداد بسبب الصراعات الطائفية، ومن غارات البدو والقبائل على الآمنين. (2) لقد كان هناك صراع بين الحنابلة والأشاعرة، عاصر ابن الجوزي أحداثه بنفسه، وكان للشيعة طقوس وشعائر ومآتم يغترّ بها العوام والبسطاء، كانت سببًا في وقوع بعض الحوادث المؤسفة. (3)

ومن الظواهر الاجتماعية الجلية انتشار فئة الرقيق في أسواق بغداد، وانتشار بيع"الْخِصيان"وهؤلاء كان الخلفاء والأمراء يشترونهم لحماية نسائهم حتى يأمنوا على أعراضهم في غيبتهم. (4)

ومما لا يخفى أن بغداد في عهد ابن الجوزي كانت مرتعًا لدور المواخير والفساد، فظهرت الفواحش وعمَّ شرب الخمر، وكان ذلك سببًا في تفشي الوباء المشهور سنة (449 هـ) نتيجة للمعاصي والانحراف. ومما يؤسف له ظهور الترف والبذخ والإسراف المتناهي في حياة الخاصة من الخلفاء والوجهاء، ففي سنة (502 هـ) تزوج الخليفة المستظهر أخت السلطان محمد بن ملكشاه بأصفهان على صداق قدره ... (100.000) دينار، ونثرت الجواهر والدنانير على الحاضرين. (5)

(1) : حسن إبراهيم حسن:"تاريخ الإسلام السياسي- مكتبة النهضة المصرية:" (4/ 625 ـ وما بعدها) .

انظر أمثلة على ذلك في"المنتظم": (10/ 200ـ 206) .

(2) : الصراع بين الحنابلة والأشاعرة: فتنة وقعت بين الحنابلة والأشاعرة بسبب التعصب للفريقين من سنة 440 - 455هـ ووشاية بعض العلماء بغير الحق. وميل بعض الولاة إلى الأهواء وقد اشتد ضرامها في نواحي العراق والشام وبلاد ما وراء النهر. انظر"صيد الخاطر": (ص / 249) و"ذيل طبقات الحنابلة": (1/ 15 - 26) ، و"سير أعلام النبلاء": (18/ 231 و 546) و"طبقات السبكي"- مكتبة ابن تيمية - الطبعة الاولى - 1388ه: (3/ 389) .

(4) ينظر:"العامة في بغداد": (ص / 142 - 143) .

(5) ينظر: ابن الأثير:"الكامل في التأريخ"- دار الفكر - الطبعة الاولى - 1409ه: (10/ 178) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت