المطلب الثالث: الحالة العلمَّية ببغداد في القرن السادس الهجري:
ازدهرت المدارس العلمية في العصر العباسي الثاني، وكانت تلك المدارس تخِّرج ثُلَّةً من أهل العلم الحاملين عِبء الدعوة إلى الله تعالى. ومن تلك المدارس"المدرسة النظامية"و"مدرسة أبي حنيفة"و"مدرسة السهروردي"و"مدرسة فخر الدولة"وغيرها. وكانت تلك المدارس زاخرة بالكتب والدواوين العلمية التي يحتاجها الطلبة. ومن مظاهر النهضة العلمية في بغداد: عناية العلماء بمجالس الوعظ والتدريس في المساجد والجوامع والمجالس الخاصة , إضافةً إلى شيوع المناظرات التي تعقد بين الحين والآخر لمذاكرة المسائِل والفنون. وكان المعلِّمون يتنافسون في الحصول على الإجازات الشرعية التي يمنحها العلماء لمن يرون فيه أهليةً وألمعيةً في طلب العلم ونشره، وتمكّنًا من الحفظ والاستيعاب للمسائل العلمية والشرعية. (1)
وقد أبرز ابن الجوزي في كثير من مصَّنفاته لا سِّيما"المنتظم"و"صيد الخاطر"وجود بعض الاتجاهات الفكرية التي كانت شائعة في زمانه. فالأول: الاتِّجاه العقلي وقد تزعمه الفلاسفة وأهل الكلام والإمامية والأشاعرة. والثاني: الاتجاه السلفي وأصحابه أتباع الإمام أحمد بن حنبل - إمام أهل السنة والجماعة - وقد كان ابن الجوزي من أنصاره، ومن المنافحين عن مذهبه وطريقته، ولم يحد عنه سوى في بعض المسائل التي وضعها تحت التأويل. والاتجاه الثالث: الاتجاه الصوفي، وهم فرقة أظهرت الزهد والتقشف وظهر في بعضهم ادِّعاء الكرامات والمنامات والخوارق. وقد صنَّف ابن الجوزي في الرد عليهم كتابًا قَيِّمًا سماه بـ"تلبيس إبليس". (2)
وكان ببغداد - مسقط رأس ابن الجوزي - كوكبة عظيمة من الفقهاء الأعيان، والأدباء والمحدثون، والوعاظ، والقراء، والإخباريون، والمفسرون، واللغويون، وعلماء الجدل والأصول، والفرائض.
ويستطيع المتأمَّل في سيرة ابن الجوزي أن يتعرَّف على الجهد العلمي الذي زخرت به ببغداد حين يطالع كتاب ابن الجوزي"المشيخة"، فقد عدّ فيه أبو الفرج تسعة وثمانين شيخًا، منهم ثلاث نسوة، تتلمذ عليهن وأجزنه، فكان ذلك شاهدًا على النهضة العلمية آنذاك ببغداد. (3)
(1) لا تناقض بين حال أهل العلم في اتجاهاتهم الفكرية وبين العوام وغيرهم من الأمراء الذين أغرقتهم الشهوات والأهواء، فلكل وجهة هو موليها، والصراع قائم بين أهل الصلاح وأهل الفساد إلى يوم القيامة.
(2) "كتاب المنتظم - دراسة في منهجه"لحسن الحكيم: (ص / 60 - وما بعدها) . وانظر مقالًا مهمًا لمصطفى جواد في (مجلة الأستاذ - المجلد الخامس 1956م بعنوان:"مدارس بغداد ودور كتبها في العصور العباسية) ، و"تاريخ الإسلام السياسي"لحسن إبراهيم: (4/ 430 - وما بعدها) ."
(3) ابن الجوزي:"المشيخة"- الدار التونسية - الطبعة الاولى - 1977: (ص / 205) .