الأول: قوله:"ولقد رأيت كثيرًا من المتعبدين وهو في مقام العجائز يسبح تسبيحات لا يجوز النطق بها , و يفعل في صلاته ما لم ترد به السنة , و لقد دخلت يومًا على بعض من كان يتعبد , و قد أقام إمامًا , وهو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى و يجهر , فقلت لهم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلاة النهار عجماء" (1) , فغضب ذلك الزاهد و قال: كم ينكر هذا علينا وقد دخل فلان وأنكر , وفلان أنكر , نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام. فقلت: واعجبًا , ومن قال لكم: لا تناموا , اليس في الصحيحين من حديث ابن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"قم , ونم" (2) . وقد كان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - ينام , ولعله ما مضت عليه ليلة إلا ونام فيها. ولقد شاهدت رجلًا كان يقال له: حسين القزويني بجامع المنصور , وهو يمشي في الجامع مشيًا كثيرًا دائما , فسألت: ما السبب في هذا المشي؟ فقيل لي: حتى لا ينام. وهذه كلها حماقات أوجبها قلة العلم , لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من النوم اختلط العقل , وفات المراد من التعبد لبُعد الفهم" (3) .
الثاني: قوله:"ولقد رأيت من الناس عجبا , حتى من يتزيا بالعلم , فإن رآني أمشى وحدي أنكر عليّ , وإن رآني أزور فقيرًا عظم ذلك , وإن رآني انبسط بتبسم نقصت من عينه , فقلت: فوا عجبًا هذه كانت طريق الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - , فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه لا جرم: فالتفتوا إخواني إلى إصلاح النيات , وترك التزين للخلق , ولتكن عمدتكم الاستقامة مع المالك , فبذلك صعد السلف وسعدوا". (4)
(1) ابن أبي شيبة:"المصنف": (1/ 364) وعزاه إلى الحسن البصري، ولا يصح مرفوعًا.
(2) أخرجه البخاري: (كتاب الصوم - باب صوم يوم وافطار يوم - رقم الحديث 1978) وأخرجه مسلم: (كتاب الصوم باب النهي عن صوم الدهر - رقم الحديث 1159.
(3) "صيد الخاطر": (الخاطرة رقم: 162) .
(4) المرجع نفسه: (رقم الخاطرة: 179) .