الثالث: قوله:"ما رأيت أحمق من جمهور قصاص زماننا , فإنه يحضر عندهم العوام الغشم , فلا ينهونهم عن خمر , وزنى , وغيبة , ولا يعلمونهم أركان الصلاة , و وظائف التعبد , بل يملؤون الزمان بذكر الاستواء , وتأويل الصفات , وأن الكلام قائم بالذات , فيتأذى بذلك من كان قلبه سليمًا. وإنما على العاصي أن يؤمن بالأصول الخمسة: بالله وملائكته وكتبه ورسله و اليوم الآخر, ويقنع بما قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق , والاستواء حق , والكيف مجهول , وليعلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكلف الأعراب سوى مجرد الإيمان , ولم تتكلم الصحابة في الجواهر والأعراض. فمن مات على طريقهم , مات مؤمنًا سليما من بدعة , ومن تعرض لساحل البحر وهو لا يحسن السباحة فالظاهر غرقه". (1)
أما المدلول الشرعي لخواطر ابن الجوزي في"صيد الخاطر"فيمكن إيراده في النقاط الآتية:
(أ) : التنبيه على أهمية الضروريات الخمس: حفظ الدين والنفس والعقل والعرض و المال.
(ب) : التحذير من الغفلة والشهوات البهيمية.
(ج) : تذكير الإنسان بنعم الله تعالى الظاهرة والباطنة.
(د) : تعريف الناس بمظاهر الانحراف القلبي والخلقي في القرن السادس الهجري.
(هـ) : تعريف الناس بالطب النبوي الملائم لأبدانهم وأسقامهم.
(و) : وجوب الاستعداد للآخرة وعدم التفريط في المصالح الدنيوية.
(ز) : تنبية المسلم إلى وجوب مراعاة فقه الأولويات والمصالح العليا.
فابن الجوزي في كل فصل - تقريبا - من فصول كتابه , نشر خواطره اليومية والحولية كي يجعل القارئ
يتفيأُ دوحة العلم الشرعي والتربية الإسلامية الأصيلة , ليكون ربانيًا في أخلاقه ومعاملاته , مستنًا بجادة السلف , متبصرًا لأمور معاشه وأحواله , طارحا للغفلة والثقة بكل الناس , يأخذ بالحزم في أغلب أموره ,
(1) "صيد الخاطر": (رقم الخاطرة: 207) .