ذهب جمهور العلماء إلى تحريم الرجوع في الهدية -وكذا الهبة والصدقة- بعد قبضها، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وبوب البخاري على ذلك بقوله: «باب لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِى هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ» .
وخالف في ذلك الحنفية وقالوا بجواز الرجوع في الهدية قبل القبض أو بعده، وإن كرهوا ذلك لأنه من باب الدناءة.
ودليل الجمهور قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِى يَعُودُ فِى هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِى قَيْئِهِ» . [1]
قال الحافظ في الفتح: قوله: «ليس لنا مثل السوء» أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله سبحانه وتعالى: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60] ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدل على التحريم مما لو قال مثلًا: لا تعودوا في الهبة. اهـ.
وتعقب الصنعاني قول الحنفية فقال: قال الطحاوي: قوله «كالعائد في قيئه» وإن اقتضى التحريم لكن الزيادة في الرواية الأخرى وهو قوله «كالكلب» تدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حرامًا عليه، والمراد التنزه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب باستبعاد التأويل ومنافرة سياق الحديث له،
(1) رواه البخاري: 2622.