وما ذكرناه من حرمة الرشوة فهي لما يعطى لدفع حق أو لتحصيل باطل، أما إذا كانت لدفع ظلم أو ضرر، ولتحصيل حق، مع تعينها طريقًا لذلك، فقد قال جمهور العلماء بجواز إعطائها، والإثم في ذلك على الآخذ دون المعطي.
وقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه: أنه لما أتى أرض الحبشة أخذ بشيء فتعلق به، فأعطى دينارين حتى خلي سبيله. [1]
قال ابن قدامة: فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل، أو يدفع عنه حقًا فهو ملعون، وإن رشاه ليدفع ظلمه، ويجزيه على واجبه، فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه. اهـ.
وقال الفقيه أبو الليث السمرقندي: لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة. اهـ.
وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب، كانت هذه الهدية حرامًا على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا، قيل: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» . [2]
(1) أخرجه البيهقي: (10/ 139) .
(2) النهاية في غريب الأثر: (2/ 226) ، سبل السلام: (4/ 395) ، فتاوى السبكي: (1/ 204) ، الموسوعة الفقهية: (22/ 222) ، مجموع الفتاوى: (31/ 286) ، المغني: (14/ 60) ، تفسير القرطبي: (7/ 487) ، نيل الأوطار: (10/ 529) .