وأما الهدية وهي التي تعطى للعامل لغرض التودد واستمالة القلوب:
فإن كانت لا علاقة لها بولاية الشخص وعمله، ولا ريبة في ذلك، كأن تعطى ممن له عادة في إهدائه قبل ولايته من صديق أو قريب، أو ممن لم يكن يهاديه قبل الولاية ولكن طرأ ما يستدعي إهداءه بما لا تعلق له بعمله، كصداقة طارئة أو نسب طارئ أو ما شابه ذلك، فيجوز له قبول الهدية لأنه لا تهمة في ذلك.
أما من لا عادة له بإهدائه قبل ولايته، أو له عادة وزاد عليها قدرًا أو صفة، كأن كان يهدى أثوابًا من الكتان فأهدي إليه بعد الولاية الحرير. فقد ذهب جمهور العلماء إلى حرمة أخذ الهدية، ووجوب ردها إلى صاحبها، فإن تأذى بالرد يعطى قيمتها، وإن تعذر ردها وضعها المهدى إليه في بيت مال المسلمين، إلا أن يأذن له الإمام في أخذها. والتشديد على القاضي في قبول الهدية أكثر من التشديد على غيره من ولاة الأمور؛ لأنه نائب عن الشرع فيحق له أن يسير بسيرته. [1]
ودليل ذلك ما أخرجه أحمد عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» . [2] والغلول: الخيانة.
وعنه - رضي الله عنه - قَالَ: «اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا
(1) شرح المنهج: (5/ 348) ، الموسوعة الفقهية: (42/ 258) ، شرح زاد المستقنع للحمد: (30/ 10) فتاوى السبكي: (1/ 205) .
(2) أخرجه أحمد: (39/ 14) وصححه الألباني.