خادم صغير ودس في يد الوزير رقعة مكتوبة، فلم يستوعب بنظره كليماتها حتى نهض في إثر القاضي معجلًا.
وكان من بين الحاضرين الحسن بن وهب أخو سليمان، وهو لا يزال موضع رضا الوزير، وإن كان ليخشى أن يتحدث إليه في شأن أخيه فهو يشهد ما يجري عليه وقد انطوت نفسه على أسف بالغ أسى كظيم.
.. كان قصارى جهد الحسن إذ حضر مجلس المطالبة - وهو يحضره غالبا بحكم موضعه من خدمة الوزير - أن يستقبل أخاه بنظرات التشجيع، ثم يشيعه وهو خارج يجر قيوده بنظرات ملؤها الأسف والإشفاق.
ولكن الحسن في ذلك اليوم كان على غير عادته، يلوح كمن يسر خبرًا مفرحًا تكاد تنطق به قسمات وجهه. ولعل أخاه على شغله الشاغل بنفسه استشف من ذلك شيئًا، فبادله نظرات خفية فيها الحيرة وفيها التساؤل. ولم يمتد هذا الموقف بالأخوين كثيرًا؛ فقد انتهز الحسن فرصة تغيب الوزير بدار حرمه وألقى إلى سليمان برقعة لطيفة استقرت في حجره، فراح يلمسها بأنامله في اضطراب ثم بسط ثناياها وقرأ هذه العبارة بخط أخيه: (جائني الخبر الساعة من دارك أنك قد رزقت ابنًا، خلقًا سويًا، وهو جسم بغير اسم. فما تحب أن يسمى ويكنى؟)
واتجه سليمان بنظره إلى ناحية أخيه ثم همس: عبيد الله. . أبو القاسم!
وسرت في سليمان منذ هذه اللحظة روح جديدة، وتداخله فيما قرأ سرور وقوة نفس. وفي حلم خاطف من أحلام اليقظة رأى ابنه طفلًا رضيعًا، ثم غلامًا، ثم فتى يافعا، ثم رجلًا قوي الأسر كامل النفس موفور الحلم، يتبوأ المناصب الخطيرة، ويشد من أزر أبيه بماله وبجاهه.
وعاد الوزير بعد حين إلى مجلسه فأمسك قليلًا، ثم أقبل يعيد المطالبة على سليمان، ويريده أن يوقع على ما رضي الإقرار به. فما أدهشه إلا أن يرفض مرة، ويستمهل أخرى، ثم هو فيما بين ذلك يجادل ويدافع، ويدلي بالحجة وراء الحجة. .
كان سليمان بحال من انبعاث النشاط وتجدد الأمل لم يخطر للوزير أن تكون. فانعقد لسانه من فرط البغتة، وأقبل يرمق سليمان في حيرة ولإنكار، ثم قال له: