فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 684 من 65521

المفتش ممتلئًا بهذه الفكرة فلا يكاد يتحدث إلى العمدة والصيدلي ومراقب المكاييل والموازين حتى يروعه تصديق المدينة لهذه الخرافات، وحتى يشتد عزمه على أن يشمر في الحرب لهذا السخف حتى يقضي عليه. وهو ينكر وجود الأشباح والأرواح، وهو يتحدى الأشباح والأرواح ويطلب إليها أن تقلق طائرًا ولو يسيرًا عن غصن من هذه الأغصان وهو يحصي ثلاثة فلا يتم الإحصاء حتى تسقط قلنسوته عن رأسه! فيقول: ما أشد الريح أو يجيبه أصحابه: ليس في الجو أثر للنسيم! وهو يعود إلى التحدي في لفظ غليظ بشع ويطلب إلى الأرواح والأشباح أن تمسه بأذى ولو ضئيل. ويحصي ثلاثة فلا يكاد يفرغ من الإحصاء حتى تزل قدمه به فيهوى! فإذا نهض قال: ما أشد الرطوبة! فيجيبه أصحابه، إن عهدنا بالمطر لبعيد! وبهذا يتحقق الخلاف بين ممثل الحكومة المركزية وأهل المدينة. هو صاحب علم وعقل وهم أصحاب خيال وإيمان بالخرافات.

ولكن علم المفتش أولى وعقله محدود. فهو يؤمن بما في الكتب ويسلم به مقلدًا فيه وهو يرى الإيمان به والتعصب له سياسة تلائم الديمقراطية وتوافق نظم السياسة الحديثة. وسذاجة أصحابه الذين يحاورهم ظريفة طلقة ليس فيها غلظ ولا ضيق، وإنما هي سذاجة ذات أجنحة تسمو بأصحابها حتى تتجاوز بهم حدود المألوف المعقول وكأنها قد اتخذت أجنحتها من الخيال وأصبحت شعرًا كلها، فالحوار إذًا إنما هو بين الحقائق الواقعة المقيدة التي لم تبرأ من الجمود ولم تسلم من القصور، وبين الخيال المطلق الحر الذي أخذ بحظ عظيم من الرقي والصفاء والتهذيب. الحوار إذًا بين الحياة اليومية المألوفة يمثلها شخص المفتش وبين الشعر يمثله هؤلاء الناس. بل يمثله معهم أكثر أهل المدينة وتمثله معهم بنوع خاص إيزابيل هذه الفتاة التي تقوم على تعليم البنات مكان المعلمة المريضة والتي تذهب في تعليم الفتيات مذهبًا غريبًا ملائمًا كل الملاءمة للطبيعة الحرة والشعر الطلق. فهي لا تضطرهن إلى المدرسة وإنما تتخذ من الغابات والحقول مدرسة تلقي عليهن فيها علمًا غريبًا يضيق به المفتش الذي يمثل حياة كل يوم. وهي تلقي إليهن أسماء غريبة تدل بها على ألوان العلم في الفلك والطبيعة والنبات والحيوان وهي لا تتحرج في أن تحملهن على أن يتشكلن بأشكال الحيوانات المختلفة ويتسمين بأسمائها ويسرن سيرتها، كل تعليمها يمتاز بأنه شعر، ويقوم على تحبيب الطبيعة إلى التلاميذ. ولا يكاد المفتش يرى هذا ويتبينه حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت