بقصة فوست أن قد انتهت هذه الحال التي كانت بين بين!
هذه صورة غليظة جدًا لهذه القصة لا دقة فيها ولا تحديد ولا إلمام بشيء مما فيها من مواطن الشعر ومظاهر الجمال الفني الرائع. ولا إلمام فيها أيضًا بهذه المواقف الكثيرة التي يعرض فيها الكاتب للحياة اليومية على اختلاف فروعها بالنقد اللاذع المر، ولكنك تستطيع أن تسأل نفسك كما سألت نفسي وكما سأل غيري من القراء نفسه حين قرأ هذه القصة، ماذا أراد الكاتب أن يصور فيها؟ أتراه اكتفى بنقد ما نقد من ألوان الحياة الفرنسية ولم يرد غير ذلك! إلا فإن هذا النقد عارض في القصة يكفي أن تنظر فيه لتعلم إن الكاتب لم يتخذه غرضًا من أغراضه الأولى. أتراه رمز بهذا الطائف إلى شيءمما يعرض للناس في حياتهم وجعل الفتاة رمزًا للناس جميعًا أو لطائفة من الناس؟ ولكن ما عسى أن يكون هذا الشيء الذي أتخذ الطائف رمزًا له أهو الحب؟ أهو الموت؟ أهو الأمل؟ أهو المثل الأعلى؟ أهو شيء غير هذا كله؟ أتراه إنما أراد أن يصور حالًا من أحوال الناس تعرض لهم في طور من أطوار حياتهم حين يكونون بين النوم واليقظة، أو حين يكونون بين الصبا أو الشباب وبين الاكتهال واكتمال السن. أتراه أراد أن يصور لنا حياة فتاة مريضة بنوع من أنواع الأمراض العصبية تتأثر بالوهم وتتبعه حتى تمضي في أثره إلى أمد بعيد ثم لا ترد إلى الحياة الواقعة إلا في هدوء ورفق. وإلا بأن تحيط بها الحياة الواقعة إحاطة متصلة لا تكلف فيها ولا جهد. كل ذلك ممكن، ولعل شيئًا غير ذلك كله ممكن أيضًا ولعل الكاتب (وقد هممت أن أملي الشاعر) لم يرد كما قلت إلا أن يخلق حولك هذه البيئة الشعرية التي تطلقك من قيود الحياة الواقعة وتسلمك إلى الخيال يمضي بك حيث يشاء ساعة من نهار أو ساعة من ليل. وقد ذهب الشعراء إلى هذا النحو من الفن منذ عهدٍ غير قصير، فمنهم من جعل الشعر موسيقى تلذ السمع أولا، وتثير في النفس لذة النغم الموسيقي بعد ذلك وأعرض عن المعاني إعراضًا شديدًا أو هينًا. ومنهم من أعرض عن هذه الموسيقى الظاهرة التي يتأثر بها السمع قبل كل شيءواتخذ الشعر مفتاحًا يفتح لك به أبواب اللانهاية كما يقول الشعراء ووسيلة يخلق لك بها هذه البيئة الفنية العليا التي ترتفع بها وقتًا ما عن الحياة والأحياء.
وأخذ الكتاب يذهبون بالنثر مذهب الشعراء بالشعر ولكن كاتبنا قد تجاوز مذهب الكتاب الذين يقلدون الشعر والشعراء في النثر الذي يتجه إلى القراء ليس غير، وسلك هذا المذهب