ذلك أنهم جاروا ميول الجمهور وسايروا رغباته فكانوا تجارًا أكثر منهم قادة، والجمهور إنما استلذ هذا النوع لأنه من قديم ألف البكاء، وكانت حالته الاجتماعية تدعو اليه، ولأنه ترك جده على كاهل غيره ففرغ للهو.
وكان هذا النوع من الأدب أضر بالشرقي من ضرره بالغربي، لأن الغربي عنده بجانب هذا الأدب الضعيف أدب آخر قوي، فإذا بعث الأول حنانًا ورقة، بعث الآخر قوة وجلدًا، فتعادلت حياته وتغذت نواحي عواطفه. أما الشرقي فليس له تراث حاضر من أدب قوي يسند ضعفه ويحيي نفسه، وسبب آخر وهو أن الشرقي (على العموم) ذو عاطفة أحد وهو لها أقل ضبطًا، فإذا نحن غذيناه دائمًا بهذا الأدب الحاد زادت عواطفه ميوعة، مع أنه أحوج ما يكون إلى ما يقوي عاطفته ويضبط جموحها.
الحق أن الأدب عود ذو أوتار ويجب أن تكون أوتاره على نظام ما عند الإنسان من عواطف جدية وهزلية، ورقيقة وقوية، وضاحكة وباكية، ورخيصة وغالية، والعود الذي يوقع عليه الأديب الشرقي ناقص الأوتار، تنقصه الأوتار القوية والأوتار التي تبعث الحياة، والأوتار التي تبعث الضحك ليتلوه جد، والأوتار التي تهز النفس لتملأها أملًا، والأوتار التي تبعث النغم بصور بطولة، والتي تبعث النغم ليوقظ من سبات، عود الأديب الشرقي على نحو عود المغني الشرقي، أشجى أغانيه أحزنها، وخير نغماته أبكاها.
فهل يتقي الله الفنانون والأدباء في الجيل الناشئ فيصلحوا أغانيهم ويكملوا ما نقص من أوتارهم، ويستدركوا ما فاتهم، وينشدوا طويلا نشيد الحياة، كما أنشدوا من قبل طويلًا نشيد الموت؟