ولا تستثير في نفسه عاطفة، بينما يجيش وجدانه وتهتز عواطفه عند موت طفل، أوفراق صديق، أو قراءة كتاب، أو وقفة عند سفح الأهرام. هذه الحوادث التي تمر بنا فلا نلتفت إليها كانت تثير شاعرية صبري بهذه المقطوعات التي تمس النفس الإنسانية في أعمق حواسها وأدق مشاعرها. وهذه هي مهمة الفن: يفتح العين المغمضة، ويذكي الحاسة المطفأة، ويبعث العاطفة الهامدة، ويحيي موات القلوب، حتى يشركنا لحظ مما فاتنا من اللذات السامية التي قصرت على النفوس الموهوبة. وهل نرى بهجة الحياة إلا بعين المصور، وهل نستمع إلى أنغامها إلا بإذن الموسيقي، وهل نحس الحق والجمال إلا بقلب الشاعر؟ وأي شعر أرفع من شعر صبري الذي (فاضت به) العاطفة من غير أن تتكلفه أو تكره عليه؟ وأي شعر أنضج من شعر صبري الذي كان يؤمن بشيطانه ولا يعصي له أمرًا، فيستوحيه الشعر ولا يستجديه؟ وأي شعر أسمى من شعر صبري الذي تشيع فيه هذه المرارة وهذا الحنين، فيذيب في الصدر أطماع الحياة وآثامها، ويسمو بالنفس عن متعها الخسيسة الهينة، إلى المستوى الإنساني حيث يستحيل البغض حبًا، والقسوة حنانًا، والأثرة إيثارا، والتناحر ودادًا، والصراع عناقا. . .
إلى جانب هذا النضوج في روح صبري، نذوق جمالا في أسلوبه يملك على المرء نفسه حين يتلوه، ويحمله على أن يرتله مرة بعد مرة وعلى أن يذكره آونة بعد آونة، فلا يزداد الشعر إلا عذوبة وصفاء تزيد المرء لذة ومتاعًا، ويخيل إلى المرء أنه أمام وجه جميل، كلما أطال النظر إليه، ازداد رغبة فيه وحبًا له. وهكذا يقاس نضوج الفن: يزداد المرء بالصورة إعجابا كلما انعم النظر فيها، ويزداد حنينًا إلى الموسيقى كلما أطال الاستماع إليها، ويزداد فتنة بالشعر كلما أكثر ترديده وترتيله. وكيف لا يكون شعر صبري جميلا وقد استقاه من ينابيع فياضة بالجمال: تأثر بشعر البحتري الذي امتزجت فيه الجزالة بالسهولة، وتأثر بالشعر الفرنسي الذي يفيض سيولة ورواء. ويتجاوب ألحانًا وأنغامًا، وهو قبل هذا قد أوتي أذنًا دقيقة تجيد انتقاء المفردات، وتحسن الاستماع إلى اتساق العبارات (وتحس نبو الوتر) . وصبري كان مولعًا بالموسيقى، مفتونًا بالغناء، وكان متصلا بمن عاصروه من الموسيقيين والمغنيين، وأمدهم بكثير من المقطوعات الغنائية الشعبية، ومن أجملها (قدك يا أمير الأغصان) (الفجر لاح يا تجار النوم) . وكانت تستخفه عذوبة الحديث وبلاغة الإلقاء