الجمهور على قراءة ذلك ويعجبون به، وسبب الإعجاب أن الأديب شعر بما يشعر به الجمهور، واستطاع أن يعبر عنه التعبير الفني الذي لا يستطيعه الجمهور. أما الأدب الأوربي القديم فإنما يناسب خاصة المتعلمين لأنه يتطلب دراسة لغوية وأدبية عميقة كما يتطلب، لتطلبه، أن يلم المتعلم بشيء كثير من المسائل التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بالأديب وبالقطعة الفنية حتى يستطيع أن يفهمها فهمًا صحيحًا، وليس ذلك في مكنة السواد الأعظم من الناس. فالذين يفهمون الإلياذة والأوديسة وخطب ديمستين قليل بالنسبة إلى الذين يقرأون الأدب الحديث ويفهمونه، وكذلك الذين يفهمون الأدب الإنجليزي أو الفرنسي في القرون الوسطى ويتذوقونه هم الخاصة من الأدباء، وإن قرأ الجمهور شيئًا من الأدب القديم فإنما يقرءوه مترجمًا إلى اللغة الحديثة، أو معروضًا في شكل جديد قد ذللت فيه كل الصعوبات التي يحتمل أن يلقاها القارئ العادي. أما الأدب الإنجليزي أو الفرنسي الحديث فيكاد يكون حظ الإنجليز أو الفرنسيين جميعًا.
وسبب ذلك أن الأدب هو نقد الحياة في أسلوب فني، وإذ كانت كل أمة تفهم حياتها الحاضرة فهمًا ما، وإن اختلفوا في مقدار الفهم، كان الأدب الحديث أقرب إلى فهمهم وأيسر متناولا لجمهورهم، وإذ كان الأدب القديم وصفًا لحياة قديمة لا يستطيع فهمها فهمًا صحيحًا إلا من عرف بيئتها وتاريخها، كان ذلك الأدب أدب الخاصة.
وبعد فالأدب العربي أدب قديم لا حديث له، وإن شئت تعبيرًا دقيقًا فقل إنه أدب قديم لم يستكمل حديثه، لذلك كان الأدب العربي أدب الخاصة لا أدب الجمهور.
لا يستطيع القارئ أن يفهم الأدب العربي القديم إلا بفهم دقيق للتاريخ، وفهمٍ بالغ للظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الأدب ومعرفة واسعة بالجغرافيا، وعلم تام بقوانين الصرف المعقدة كأنها قوانين اللوغاريتمات ليعرف كيف يبحث في معاجم اللغة العربية عن كلمة غريبة، وليس يصبر على ذلك كله إلا المجاهدون الصابرون، وقليل ما هم.
يريد سواد المتعلمين أن يغذوا مشاعرهم من حب يحلل تحليلًا دقيقًا، أو إعجاب بمنظر طبيعي ملك عليهم نفوسهم، فأرادوا أن يصور هذا الإعجاب في قطعة فنية، أو تبرم بأسر ورق فهم يريدون أدبًا يتغنى بالحرية ويحفز النفوس إلى تحقيقها، أو ألم من سوء حالة اجتماعية فهم يبتغون قصة تمثلها أو قصيدة تصفها، أو كتابًا يحللها، أو نحو ذلك من