جدًا، في حب لها واقتصاد فيها. انظر إلى هذه الأبيات:
ياله من فم ... يالها من شفة!
يا لشهد بها ... كدت أن أرشفه
يا لزهر بها ... كدت أقطفه
حلوة ويحها! ... غضة مرهقة
حسرتي بعدها ... حسرة متلفة
ألست ترى فيها شخصية تحب الحياة وتكلف بها، وتحب اللذة وتوشك أن تسرع اليها، لولا أن شيئًا يصدها عنها صدًا ويردها فترتد كارهة آسفة. وانظر إليه كيف وفق إلى الإبداع في تصوير هذه المعاني السهلة المألوفة، في لفظ جميل عذب كله أنيق، وكيف استطاع أن يصور من وراء هذه المعاني اليسيرة المألوفة، التي يجدها الناس جميعًا، ويراها الناس جميعًا، معنى آخر ليس يسيرًا، ولا مألوفًا ولا شائعًا بين الناس وإنما هو مقصور على الذين يسلطون العقل على الحس ويحكمون الإرادة في العاطفة، ويجدون لذة في الرغبة الحادة يمسكها الحرمان الشديد. فالعقاد مفتون بصاحبته، مفتون بهذا الفم وهذه الشفة، شديد الظمأ إلى شدها، شديد الميل إلى زهرها، يود ولكنه لا يفعل، ويكاد ولكنه لا يحقق. ويجد لذة قوية في هذا الحب، وفي هذا الحرمان، يخرج عن طور اللذة الغرامية المألوفة إلى طور اللذة الفلسفية الخالصة.
في هذه الأبيات تظهر شخصية العقاد كما هي خفية جدًا تهفو إلى الجمال وتصبو إليه، رزينة جدًا تؤثر أن يكون استمتاعها بالجمال عقليا لا إثم فيه ولا جناح.
في هذه الأبيات تظهر براعة العقاد ويظهر كل ما يملأ قلب العقاد من غناء، يجمع بين الحلاوة والقوة، ويغري المغنين بتلحينها. في هذه الأبيات يتحققتعريف العقاد للشعر فهي تعبير جميل عن شعور صادق.
وقل مثل هذا في هذين البيتين وهما عندي من اجمل الشعر وأرقاه، وهما عندي يمثلان العقاد تمثيلا صادقا. يمثلان جموحه وتمرده، ويمثلان وداعتهوطمأنينته.
لا أرى الدنيا على نور الضحى ... حبذا الدنيا على نور العيون
هي كالراووق للنور فلا ... صفو الا صفوها العذب المصون