فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقال حماد بن زيد:"كنت أمشي مع أيوب السختياني فيأخذ في طرق إني لأعجب له كيف يهتدي لها فرارًا من الناس أن يقال: هذا أيوب" ( [29] ) .
وأخبار السلف في هذا كثيرة لا يسع المقام الاستطراد فيها بأكثر من هذا، وإنما أختم لك بهذا الخبر:
قال: عبد الرحمن بن مهدي:"كنت أجلس يوم الجمعة، فإذا كثر الناس فرحت، وإذا قلوا حزنت، فسألت بشر بن منصور، فقال: هذا مجلس سوء فلا تعُد إليه، فما عدت إليه!!" ( [30] )
الوقفة الثامنة: ( [31] ) علق الله تعالى الذم في الآية على التكاثر الملهي عن التزود للآخرة، لكن لو حصلت الكثرة من غير تكاثر لم يضر، وقد كان بعض الصحابة أهل كثرة في المال أو الولد ولم تضرهم؛ لكونها حاصلة من غير تكاثر كما لا يخفى.
الوقفة التاسعة: بما مضى تبين أن الذم في الآية واقع على التكاثر في متاع الدنيا الزائل ولذاتها الفانية، أما التكاثر بأسباب السعادة الأخروية فهو مطلوب شرعًا ( [32] ) ، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [ (26) سورة المطففين] ، وعليه فالتكاثر من حيث تعلق الذم والحمد قسمان: محمود ومذموم.
"فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكو وتصير مفلحة، فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها، فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد."
وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم، فهذا تكاثر ملهٍ عن الله وعن الدار الآخرة، وهو جارٌّ إلى غاية القلة، فعاقبة هذا التكاثر قلٌّ وفقرٌ وحرمان.
والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكر بالله وبنعمه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى، وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولًا، وأحسن منه عملًا، وأغرز منه علمًا، وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحوقه فيها كاثره بخصلة أخرى، وهو قادر على المكاثرة بها.
وليس هذا التكاثر مذمومًا، ولا قادحًا في إخلاص العبد، بلى هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات.
وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج -رضي الله عنهم- في تصاولهم بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره.
وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر -رضي الله عنهما-، فلما تبين لعمر مدى سبق أبي بكر له قال: والله لا أسابقك إلى شيء أبدًا" ( [33] ) ."
فينبغي للمؤمن العاقل أن يكون سعيه في تقديم الأهم وهو ما يُقرِّبه من ربه -عز وجل-، أما التكاثر بما يفنى فهو تكاثر بأخس المراتب، والاشتغال به يمنع الإنسان من الاشتغال بتحصيل السعادة الأخروية التي هي سعادة الأبد، ويصرفه عن الجد في العمل، ويطفئ نور الاستعداد في نفسه وصفاء الفطرة والعقل والكمالات المعنوية الباقية. ( [34] )
الوقفة العاشرة: ( [35] ) قوله: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} : خبر يتضمن تقريعًا وتوبيخًا وتحسرًا.
الوقفة الحادية عشرة:" {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} : خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف، وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله."
فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر، ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه.
وجواب هذا: أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان، كقوله: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا} [ (11) سورة الإسراء] .
{وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} [ (67) سورة الإسراء] .
{إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [ (6) سورة العاديات] .
{وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [ (72) سورة الأحزاب] .
{إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [ (66) سورة الحج] ، ونظائره كثيرة.
فالإنسان من حيث هو عار عن كل خير من العلم النافع، والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك، ويعطيه إياه، وليس له ذلك من نفسه، بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم، والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه، لا من نفسه.
فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته التي هي له من نفسه، ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدًا للآخرة، مؤثرًا لها على التكاثر بالدنيا، فإن أعطاه ذلك وإلا فهو ملته بالتكاثر في الدنيا ولا بد" ( [36] ) ."
(يُتْبَعُ)