فهرس الكتاب

الصفحة 947 من 1328

وَالْكَلَامُ فِي ذَمِّ الْجِدَالِ [1] كَثِيرٌ، فإِذا كَانَ مَذْمُومًا؛ فَمَنْ جَعَلَهُ مَحْمُودًا وعَدَّه [2] مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ بإِطلاق فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ. وَلَمَّا كَانَ اتباعُ الْهَوَى أَصلَ الِابْتِدَاعِ؛ لَمْ يُعْدَم صاحبُ الْجِدَالِ أَن يماريَ ويطلبَ الغَلَبة، وَذَلِكَ مَظِنَّة رَفْعِ الأَصوات.

فإِن قِيلَ: عددتَ رَفْعَ الأَصوات من فروع الجدل وخواصِّه، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَرَفْعُ الأَصوات قَدْ يَكُونُ في العلم، ولذلك كُرِه رفع الصوت [3] فِي الْمَسْجِدِ [4] ، وإِن كَانَ فِي الْعِلْمِ أَو فِي غَيْرِ الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي"الْمَبْسُوطِ": رأَيت مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصحابه رَفْعَ [5] أَصواتهم فِي الْمَسْجِدِ [6] .

وَعَلَّلَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة بعلَّتين:

إِحداهما: أَنه يجب أَن يُنَزَّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ لأَنه مما أُمر بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنه مبنيٌّ لِلصَّلَاةِ، وقد أُمرنا أَن نأَتيها وعلينا السكينة

(1) في (ر) و (غ) :"الجدل".

(2) في (غ) :"وظنه"بدل"وعده".

(3) في (خ) و (ت) :"الأصوات".

(4) أخرج البخاري في"صحيحه" (470) عن السائب بن يزيد قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما. قال: من أنتما ـ أو من أين أنتما؟ ـ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما! ترفعان أصواتكما فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم.

قال الحافظ ابن حجر في"فتح الباري" (1/ 561) :"ووردت أحاديث في النهي عن رفع الصوت لكنها ضعيفة؛ أخرج ابن ماجه بعضها".

(5) في (ر) و (غ) :"رفعهم".

(6) ذكره محمد بن يوسف العبدري في"التاج والإكليل" (6/ 15) عن ابن القاسم. هكذا، ونقل ابن أبي زيد القيرواني في"النوادر والزيادات" (1/ 536) أن ابن القاسم قال في"المجموعة":"قال مالك: ولا ينبغي رفع الصوت في المسجد في العلم ولا في غيره، وكان الناس ينهون عن ذلك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت