والنار واليوم الآخر، بل قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أن تعبد الله كأنك تراه"، وهذا أعلى ما يكون من درجات اليقين هذا من الأسباب، وهل لهذا - أي: زيادة اليقين - دليل على أنه ربما يزداد وينقص؟ نقول: نعم فيه دليل من القرآن: {وإذ قال إبرهيم رب أرني كيف تحيى الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى} [البقرة: 260] أي: ليزداد ثباتًا، وله دليل من الواقع أيضًا، فمثلًا: إذا أتاك رجل ثقة بحبر تثق بخبزه لصدقه وأمانته وإدراكه الأمور على ما هي عليه أتاك بخبر صار عندك إيمان، أتاك رجل آخر بنفس الخبر فيزداد الأيمان، وكلما كثرت طرق الخبر ازداد الإنسان قوة، كذلك أيضًا يقوى الإيمان بكثرة اللجوء إلي الله عز وجل، بمعنى: أن يكون قلبك دائمًا متعلقا بالله، إن ذكرت الله تذكره في قلبك قبل ان تذكره بلسانك، إن تركت شيئًا لله تذكر الله تعالى بقلبك قبل أن تتركه، وهكذا يكون قلبك دائمًا مع الله، حتى في لبس الثوب، تذكر أن الله هو الذي أنعم به عليك ويسره لك، وكذلك الأكل والشرب والنكاح والمسكن، كل ذلك اذكر الله عز وجل يزداد بذلك اليقين، مما يزيد اليقين: العمل الصالح. لقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتهم تقواهم} [محمد: 17] . وكلما كثر العمل الصالح ازداد الإيمان قوة، ولهذا يقال: إن الأعمال الصالحة بمنزلة الماء للشجرة كلما أكثرت من سقيها ازدادت نموًا وحياة.
ومن فوائد الحديث: إثبات تفاضل الناس حسب قوة إيمانهم، يؤخذ ذلك من قوله:"خير"، هذا عائد على المؤمن.
ومن فوائد الحديث: إثبات محبة الله عز وجل لقوله:"أحب إلى الله"
ومن فوائده أيضًا: أن محبة الله تعالى تتفاوت بحسب أعمال العبد؛ لأن الله علق زيادة المحبة بقوة الإيمان.
ومن فوائد الحديث: حسن التعبير في حطاب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في كلام الله لقوله:"وفي كل خير".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يفاضل بين شخصين وفي كل منهما خير أن يذكر الخير في الجميع حتى لا تهبط قيمة الأخر من قلوب الناس.
ومن فوائد الحديث: إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحرص على ما ينفع؛ لقوله:"احرص على ما ينفعك"وهو لما قلنا في الشرح شامل لما ينفع في الدين أو في الدنيا.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يحرص على ما لا نفع فيه، يؤخذ ذلك من قوله:"على ما ينفعك"يعنى: وأما ما لا ينفعك فلا تحرص عليه، ولكن هل يجوز ذلك أن تمارسه أولًا؟ ينظر، فإن كان شيئًا محرمًا فإنه لا يجوز، وان كان لغوًا فإن الأولى حفظ النفس واللسان عنة.