لأن من بني آدم من يستكبر, قال الله تعالى: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا} [النساء: 172] . وقال تعالى: {فبئس مأوى المتكبرين} [الزمر: 72] . فإن من الناس من بتكبر على أوامر الله ولا يتواضع, المعنى الثاني: تواضع لعباد الله لرضا الله عز وجل, فتكون اللام على هذا الوجه لتعليل, أي: لأجل الله عز وجل رفعه وذلك أن المتواضع للعباد قد يقول: إني إذا تواضعت وكلمت الفقير وسلمت على الصغير وانشرح صدري لجلسائي فإن ذلك يقتضي أن أنزل في أعينهم, نقول: هذا من وحي الشيطان, وأنت كلما تواضعت لله رفعك الله ولهذا قال بعض العامة كلمة طيبة, قال: إنك في أعين الناس بمقدار الناس في عينك, فإذا كنت تجل الناس وهم عندك بمنزلة عالية فأنت كذلك عندهم, وإذا كان العكس فالعكس, ولهذا تجد الناس يحتقرون المتكبر حتى وإن نفخ نفسه وأصلح ثوبه وركب السيارة الفخمة يكرهونه, لكن المتواضع يحبونه ويجلونه ويقدرونه, وفرق بين من يجل الإنسان خوفًا منه, ومن يجل الإنسان محبة وتعظيمًا له.
في هذا الحديث فوائد أولًا: الحث على الصدقة, لقوله: «ما نقصت صدقة من مال» , وإنما قال ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يمتنع أحد عن الصدقة؛ حيث أن الصدقة تنقص المال نقصًا حسيًا, بأن يكون النقص حاصلًا في عدد المال.
ومن فوائد الحديث: أن الصدقة سبب لحماية المال وزيادة البركة فيه, لأننا نعلم أن المال ينقص عددًا بلا شك للصدقة, لكن نفى الرسول صلى الله عليه وسلم النقص عنه؛ يعني: أنه سيكون محميًا من الآفات, ولا يسلط الله على صاحبه ما ينفق المال فيه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا ينبغي الاعتماد على الأمور المادية؛ لأن هناك أشياء وراء الأمور المادية وهو قدر الله عز وجل, فلا تقل: أنا إذا أنفقت عشرة من مائة نقص مالي, وإن أنفقت عشرة أخرى نقص, نقول: هناك شيء وراء ذلك, ومن هذا ما يجري لبعض الناس حيث يقول: أنا لا أحب أن يكثر أولادي؛ لأنهم إذا كثروا طلبوا مني نفقات أكثر, إذا كانوا ثلاثة كم يحتاجون من الأرغفة؟ ثلاثة أرغفة, إذا كانوا أربعة يحتاجون أربعة أرغفة, من أين يأتي الرغيف الرابع؟ نقول: الأمر بيد الله عز وجل, وقد قال الله تعالى: {وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» , قلنا: إن العفو ليس على إطلاقه ولكنه مقيد بالإصلاح: {فمن عفى وأصلح} [الشورى: 40] . أما إذا لم يكن في عفوه إصلاح فإنه لا ينبغي العفو, بل أحيانًا يجب الأخذ.
ومن فوائد الحديث: الحث على العفو: لقوله: «وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزا» , وهذا لا شك أن المراد به الحث على العفو.