عنوان الفتوى
رقم الفتوى
تاريخ الفتوى
30/ 7/1437 هـ -- 2016 - 05 - 07
السؤال
س: فقد جرى نقاش بين بعض إخوانكم في مسألة حكم الشرع الشريف في الكفرة من غير أهل الكتاب والمجوس إذا فتح المسلمون ديارهم، ماذا يفعل بهم، هل تضرب عليهم الجزية، أو يسترقون أجمعين، أو يستأصلون قتلا، أو يتركون على ما هم عليه دون شيء من ذلك كله؟ وما الذي صنعه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع مشركي العرب وغيرهم من عباد الأصنام من هذه الأمور؟ ولم يصل إخوانكم إلى ما يروي غلتهم في هذه المسألة، فالمرجوُّ منكم بيان وجه الحق فيها بالتفصيل الذي يتيسر لكم. والله يحفظكم، ويديم في الخير والعافية بقاءكم!
الإجابة
ج: الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده؛ أما بعد: فقد أمر الله بقتال المشركين حتى يتوبوا من شركهم، ويلتزموا بشرائع الإسلام، وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال سبحانه: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، وقال: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ، وقال تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) متفق عليه، وفي حديث بريدة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرا على جيش أو سرية قال له: (فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكفَّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) ، فدلت هذه النصوص على شريعة الجهاد بقتال الكافرين، وذلك لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وكلمة الله هي دينه الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، كما دلَّت هذه النصوص على أن للقتال غايتين؛ إما الدخول في الإسلام، وهو الأصل في مشروعية الجهاد، وإما بذل الجزية والرضا بالصغار، وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منهم الجزية، فالمشهور وهو قول الجمهور أنها إنما تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس فقط على ظاهر الآية، ولأنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجَر، وذهب جمع من العلماء إلى أنها تؤخذ من سائر الكفار من الكتابيين والأميين من أهل الأوثان وغيرهم؛ لظاهر حديث بريدة: (فإن هم أبوا فسلهم الجزية) ، وقد دلَّت سيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم من بعده مع أهل البلاد المفتوحة على أنه إن كان الفتح صلحا كانت معاملتهم لهم بحسب ما جرى عليه الصلح من الشروط في أنفسهم وأموالهم وأرضهم، وإن كان الفتح عنوة، أي: بالغلبة والقهر، كانت أموالهم وأرضهم غنيمة للمسلمين، وكانت النساء والذرية سبيًا، فيكونون أرقَّاء لمن صاروا إليه، وأما المقاتلة فإنهم يكونون أسرى للمسلمين، يخيَّر الإمام فيهم تخيير مصلحة بين القتل والمنِّ والمفاداة والاسترقاق، وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق، فغنم وسبى، ومن السبي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، وغزا خيبر، ففتح بعضها عنوة وبعضها صلحا، فغنم وسبى، ومن السبي أم المؤمنين صفية بنت حُيي رضي الله عنها، وفتح مكة عنوة على الصحيح، ولم يسب ولم يغنم، وقال لرجالهم: (اذهبوا؛ فأنتم الطلقاء) ، إلا من قام به ما يوجب قتله خاصة، كابن خطل وجاريتيه، وهذا الحكم خاص بمكة، وحاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير من اليهود وبني قينقاع وأجلاهم، وصارت أموالهم وديارهم فيئا لله ورسوله، وحاصر بني قريظة، فحكَم فيهم سعدُ بن معاذ بحكم الله، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن تقتل مقاتلتهم، وتُسبى النساء والذرية، وهم الذين قال الله فيهم: (وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا(26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)، وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم هوازن، فغنموا الأموال، وسبوا النساء والذرية، فلما أسلموا ردَّ النبي صلى الله عليه وسلم السبي عليهم، ثم سار الصحابة من بعده صلى الله عليه وسلم بسيرته، فسيَّروا الجيوش لغزو الكفار من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من المشركين، وفتحوا العراق وما وراءها من ممالك دولة الأكاسرة، وفتحوا الشام وغيرها من ممالك الروم، فغنموا في هذه الفتوح البلاد والأموال، وسبوا النساء والذرية مما فتحوه عنوة، وصالحوا من رضي بالصلح، وضربوا الجزية على من بذلها، وكان من سيرة عمر رضي الله عنه أن وقف الأراضي المفتوحة على المسلمين، وضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي في يده، فكان ذلك من موارد بيت المال، فعلم مما تقدم أنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي صحابته الإكراه على الإسلام، وأنه لم يُقتل من الكفار إلا من قُتل حال القتال في المعركة، أو وقع في الأسر من المقاتلة، ورأى الإمام المصلحة في قتله، كما تقدم من أن الإمام يخير في الأسرى بين أربعة أمور؛ أحدها القتل، كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم في قريظة، حين نزلوا على حكم سعد، فحكم فيهم بحكم الله، كما تقدم، ونجا من القتل كل من أسلم أو صالح أو أعطى الجزية، وهم جمهور الناس من أهل البلدان المفتوحة، ومن لم يُسلم في الحال أسلم بعد ذلك، وبذلك انتشر الإسلام، فصارت أكثر البلاد دار إسلام، تابعة لدولة المسلمين، والحمد لله رب العالمين، فظهر مما تقدم أنه لا يكره أحد على الإسلام، وأن من لم يدخل في الإسلام بعد فتح البلاد فإما أن يكون معاهَدا بصلح أو ببذل الجزية، أو يُقتل، أو يُمن عليه. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. أملاه: عبد الرحمن بن ناصر البراك 29 رجب 1437 ه.