فتوى الشيخ القرضاوي في"دية المرأة"؛ نظرة أصولية
إن أخطر مجالٍ يتحدث فيه متحدث أو يكتب فيه كاتب هو مجال التحليل والتحريم في دين الله والقول على الله؛ أو بمعنى آخر هو مجال الفتوى في شرع الله، ولعظم الفتوى وخطورتها كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (فقد تولاها الله بنفسه قال الله: {ويستفتونك قل الله يفتيكم} ثم تولاها رسوله صلى الله عليه وسلم ثم صحابته ... ) .
وإن الحديث في مسائل العلم والفقه يحتاج إلى التأهيل الشرعي الذي ُيمَكن صاحبَه من الخوض فيها، فإذا توفرت هذه المقدمة وهي شرطُ صحةٍ للدخول في مسائل العلم، فإن المتحدث أو الكاتب - وحديثي في أهل العلم فقط - يحتاج إلى كثيرٍ من الدقة في عباراته، وقبل ذلك التجرد والتحرر من كل مؤثرٍ نفسي أو ضغطٍ خارجي، ولا يُناقش ويُرجح ويختار إلا من خلال القواعد العلمية المعتبرة فقط!
ومما يلاحظ مما قد يغيب عن بعض المشتغلين بالدعوة والفتوى سدد الله خطاهم على طرق الحق؛ عدم الانتباه أو الغفلة عن بعض الفروقات العلمية الدقيقة التي بينها"علماء أصول الفقه"في حديثهم عن الاجتهاد والفتوى وأحكامهما، ومن ذلك:
اعتقاد أن المسائل التي لا يجوز مخالفتها أو أحداث قول جديد فيها؛ هي"المسائل القطعية"أو ما تُعورف حديثًا عليها بـ"الثوابت"، وما عدا ذلك من المسائل فإنه يجوز إحداث قول جديد فيها، وبناءً على هذا"التأصيل"فكُل مسألةٍ من مسائل الشرع إذا لم يتوفر فيها صفة القطعيات والثوابت فتجوز المخالفة فيها! دون الانتباه للتفريق بين المسائل الاجتهادية أو الخلافية التي لم يدل عليها دليل صريح صحيح يبين الراجح ويرفع الخلاف، وبين المسائل الخلافية التي اختلف فيها العلماء؛ لكن وجد نصٌ أو نصوصٌ صريحة تدل على صحة أحد الأقوال فيها، أو حُكي الإجماع فيها ونقله الأئمة في كتبهم المعتمدة. فهل تستويان؟
قلت: وهذا محل لبسٍ عند كثيرين، فتأمل! وقد بيَّنَ الإمامُ ابن القيم وغيُره من العلماء كالإمام الشوكاني رحم الله الجميع، محل اللَبس.
قال ابن القيم رحمه الله: (وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم) !
ثم بيَّن وجلَّى وجه الصواب؛ قال: (والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فسوغ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به - الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها) .
إذًا؛ هناك مسائل اجتهادية بان فيه القول الراجح الأقرب للسنة المدلل عليه بنصٍ صحيح صريح، أو حَكى الإجماع فيها غير واحدٍ من أعلام الأمة الذين لنقلهم للإجماع مكانته وثقله! كالأئمة ابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة وقبلهم الإمام الشافعي رحم الله الجميع. ثم ذكر أمثلةً لمسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، إلا أن جمهور العلماء رجحوا قولًا ما تيقنوا صحته بالنظر للأدلة المعتبرة.
ومن هذه الأمثلة قوله رحمه الله: (والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف؛ وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير مثل: كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن ربا الفضل حرام، والمتعة حرام، وأن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن المسح على الخفين جائز ... ) .
فهل نقول: أن الحامل تعتد أبعد الأجلين، وأن ربا الفضل حلال، ونكاح المتعة حلال، والمسح على الخفين غير جائز!! لورود الخلاف في هذه المسائل أو لأنها ليست من الثوابت؟
سؤال عريض ليسمح لي فضيلة الداعية والعالم المعروف الشيخ د. يوسف القرضاوي حفظه الله أن أوجَهَهُ إليه، رغبةً في الفائدة والمناقشة العلمية المبنية على التقدير؛ والرغبة للوصول للحق.
فالشيخ الجليل صرح [كما نشر منسوبًا إليه في ملحق الرسالة في 26/ 11/1425هـ] من أن مسألة"دية المرأة في القتل الخطأ"؛ ليست من الثوابت، ولم يثبت فيها إجماع، لذلك لا مانع من الاجتهاد فيها، والوصول لقول جديد وهو: أن دية المرأة تساوي دية الرجل!
وحديثي منصبٌ على التأصيل - وهو المهم - لا على التفريع، فهذه المسألة أعرضها كنموذج فقط، لأنها متفرعة على هذا الأصل الذي صدر عنه الشيخ حفظه الله.
فهل يطلق الشيخ هذا الكلام على عواهنه؟ أم يُقيدهُ وَيجعلهُ أكثر دقةً وعلمية؟ وإلا لزم منه ما سبق أن ذكرته سابقًا من الخروج بأقوال شاذةٍ ومهجورة، بحجة أن هذه المسائل ليست من الثوابت! فهو تأصيل غريب يحتاج مِن مثلهِ حفظه الله لضبطٍ وإعادة نظر، وفق الله الجميع للحق.
ولا مانع من أن نميل على هذا الفرع الفقهي بشيء من الإيضاح بالقدر الذي يخدم المقصد من هذه المشاركة، فهذه المسألة خلافية ولكن جمهور أئمة المذاهب وأصحابهم بل وصحابة رسول الله كما نقل ذلك غير واحدٍ من الأئمة، متفقون على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، في دية النفس، أما الجراح فهي كالرجل كما أشار إليه غير واحدٍ من العلماء.
بل حكى ونقل الإجماع على هذا القول أئمة الإسلام، وفي مقدمتهم الإمام الكبير الشافعي رحمه الله! حيث نص في"الأم"على ذلك، فقال في فصل"دية المرأة": (لا أعلم مخالفًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا في أن دية المرأة نصف دية الرجل) ... إلى أن قال مبينًا مستند الإجماع لما سئل عنه: (فإن قال قائل: فهل في دية المرأة سوى ما وصفت من الإجماع أمرٌ متقدم) - يعني عمل للسلف - .. ثم ذكر الخبر .. ) [الأم: 6/ 137] .
ونقل الإجماع الإمام الفقيه ابن قدامة المقدسي في موسوعة الفقهية العظيمة"المغني"حيث قال ما نصه: (قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل) ، وذكر القول الآخر ونسبة لابن علية والأصم ووصفه بأنه: (قول شاذ!) وبين وجه شذوذه بقوله: (وهذا قولٌ شاذ، لمخالفته إجماع الصحابة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم .. ثم ساق مستند الإجماع .. ) [أنظر المغني: 12/ 56] .
وكذلك الإمام الفقيه المفسر القرطبي المالكي في تفسيره، حيث قال: (وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل) [تفسير القرطبي: 3/ 92، وانظر كذلك التشريع الجنائي الإسلامي للدكتور الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله: 2/ 182، فقد قرر ما عليه الجمهور] .
فهل يُعقل أن يكون هذا الإجماعُ المشهور من غير مستند؟ - كما قال فضيلة الشيخ القرضاوي! - ولو كان كذلك للزم منه أن هؤلاء الأئمة دلسوا على الأمة! وحاشاهم والله؛ ما علمنا عليهم من سوء!
وقد أورد أئمة الحديث والفقه آثارًا بأسانيد صحيحة تنص على فتوى الصحابةٍ وجَريان عملهم على هذا الأمر وقد أمُرِنا باتباع هديهم [أنظر: إرواء الغليل للمحدث الألباني رحمه الله: 7/ 306] .
ومع هذه النقولات من أئمة العلم والفتوى والحديث، فإن طبيعة المسألة تستوجب من الفقيه - مهما كان قدره - أن يناقش هذه الإجماعات مناقشةً علميةً أصولية ً متأنيةً دقيقة، لا أن ينفي وجودها ويُهون من شأنها!! فإذا كان هذا شأن العلماء الكبار من الذين يقتدي الناس بهم، فكيف الحال مع صغار الطلبة؟ وكيف نشدد عليهم باحترام العلماء وفقههم وترجيحاتهم ناهيك عن إجماعاتهم، ثم لا يفاجأون بمن يطرح
هذه كله جانبًا ولا يعول عليه ولا يقدره قدره!!
أما تمسك به الشيخ حفظه الله من عموم الآية وأن لفظ مؤمن نكرة في سياق الشرط فتعم، فالتوجيه صحيح ونسلم به؛ ولكن النتيجة ليست في محل النزاع! فلا نزاع في أن من قتل امرأة عمدًا أنه يقتص منه، ومن قتلها خطأً فعليه الدية، ولكن الخلاف في"مقدار الدية"وليس في وجوبها! والسياق القرآني في آية القتل الخطأ في سورة النساء؛ نبه عددٌ من المحققين إلى أن فيه إشارةٌ إلى قول الجمهور.
حيث قال الإمام الجصاص الحنفي رحمه الله؛ في تعليقه على قوله تعالى: {وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله} : (أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية وإنما يتناولها الاسم مقيدًا، ألا ترى أنه يقال دية المرأة نصف الدية، وإطلاق اسم الدية إنما يقع في المتعارف المعتاد وهو كمالها) [أحكام القرآن: 2/ 336] ، وهو توجيه دقيق يستحق الاعتبار ولا شك ... فتأمّل.
أما ما ذكره بعض من تحدثوا في المسألة نفسها وفي العدد نفسه من الملحق، من أن الظروف تغيرت ولجنة حقوق الإنسان لا تفرق بين المرأة والرجل!
فالسؤال الذي يجب أن يجعله كلُ متحدثٍ في الشرع نصب عينيه: متى كانت رغبات البشر وأهواؤهم التي لا يمكن انضباطها، ومتى كانت التنظيمات واللجان العالمية! مناطًا شرعيًا تناط به الفتوى وتبنى عليه الأحكام الشرعية؟
سبحانك هذا بهتانٌ عظيم! وأين العلم والفقه والنظر المجرد من كل هوى وضغوط؟ وبماذا سيجيب ربهُ غدًا إذا وقف بين يديه للسؤال والحساب! ما أضعف المسؤول وما أعظم السائل! وإن اعتبار المآل ومراعاة الحال له قدْرهُ وتأثيره في"الفتوى"ولكن ليس على حساب الدليل الشرعي والقواعد الشرعية المعتبرة! وإلا لضاعت أحكام الدين واندرست معالمه!
ومما جاء عن فقهاء الأمة المعاصرين وفقهم الله في مجمع الفقه الإسلامي بجدة في دورته الحادية عشرة في باب ضبط الفتوى ما نصه: (يجب الحذر من الفتاوى التي لا تستند إلى أصلٍ شرعي، ولا تعتمد على أدلة معتبرةٍ شرعًا، وإنما تستند إلى مصلحةٍ موهومةٍ ملغاةٍ شرعًا نابعة من الأهواء والتأثر بالظروف والأحوال والأعراف المخالفة لمبادئ وأحكام الشريعة ومقاصدها، وأيضًا: مراعاة المتصدرين للفتيا لضوابط الإفتاء التي بينها العلماء ... ) وهو كلامٌ في غاية التحرير والضبط، فتأمل وقارِن!
وهناك مسألة أخرى مهمة تتفرع عن التأصيل الذي نبهت إليه وهو (التفريق بين المسائل الخلافية التي يسوغ الاجتهاد فيها والتي لا يسوغ) وهي مسألة: الإنكار في مسائل الخلاف .. وهي تحتاج إلى إيضاحٍ، لأنها مظنة زلل عند البعض .. وأسأل الله الإعانة على ذلك.
وزبدة القول: أن الفرع الفقهي الذي أثار هذه المداخلة ليس هو المقصود، وإنما المقصود تصحيح"التأصيل"والتنبيه إلى بعض الفروقات العلمية الدقيقة التي نبه إليها العلماء، ولم ابتدع جديدًا، بل كلامهم وعلمهم رحمهم الله مبثوث ميسر لكل مدققٍ راغبٍ في إعطاء المسائل حقها من الروية والاهتمام.
وعمومًا: فإن العالم المتمكن إذا اجتهد فهو بين الأجر والأجرين، ولا يحط الخطأ من قدره، ولا غضاضة أبدًا في مناقشته، ولا نعرف معصومًا لا يُردُ قولُه إلا سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم.
وما أردت من هذه المشاركة إلا الفائدة لي ولأخوتي، ثم التنبيه لأهمية الانتباه للقواعد الأصولية في ضبط الفتوى. فإن العلم والفتوى وكذلك المكلفين عمومًا أمانةٌ في أعناق العلماء، سنسأل عنها يوم القيامة.
وأسأل الله التوفيق والثبات لكل مجتهدٍ حريصٍ على بيان الحق، وما توفيقي إلا بالله.
د. فهد بن سعد الزايدي الجهني
أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الطائف
يوم الأربعاء 28/ 1/1426 هـ