فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 137

[الكاتب: عبد الرحمن بن عبد الخالق]

في مجلس خلا ... جلس الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتورة آنا صوفيا الأستاذة بجامعة السويد، وامرأة أخرى، وعميد كلية الدراسات الإسلامية في السودان، وحولهم جمهور مختلط من المتبرجات، والشباب، وعبر المحطة الفضائية A.R.T تلفزيون وراديو العرب. وبإدارة عريف للندوة مشعان ثائر الرأس يقف على قدميه، وذلك ليلة الثلاثاء 4 من رجب الحرام سنة 1418هـ الموافق 3 من شهر نوفمبر سنة 1997م، جلس الجميع يحاكمون نصوص القرآن والسنة بخصوص ولاية المرأة وشهادتها.

وكان مما حكموا به على هذه النصوص ما يلي:

أولًا: ما ادعاه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي أن حديث أبي بكرة رضي الله عنه في الصحيح ولفظه: قال أبو بكرة: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل - بعد ما كدت ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم. قال أبو بكرة: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) البخاري.

قال الشيخ القرضاوي بعد ذكره لهذا الحديث ما معناه ومؤداه: إن هذا الحديث لا يؤخذ منه بمفرده حكم وأن نصوص القرآن والسنة قد جاءت على خلافه، وأنه مقيد بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان الحكم فيه للرجال استبداديًا، وأما الآن فلا وأنه قال بخلافه ابن حزم، ورأى أنه تولى المرأة كل الولايات إلا الولاية العظمى، وأنه لا يقال هنا إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لأن هذه القاعدة مختلف فيها؟ وأنه لا بأس أن تتولى المرأة ولاية أية دولة من دول المسلمين لأن هذه ليست هي الولاية العظمى، وإنما الولاية العظمى هي الخلافة التي ينضوي المسلمون جميعًا تحتها، وأضافت د. صوفيا إلى كلام الشيخ القرضاوي أن هذا الحديث حديث أبي بكرة لم يروه إلا أبو بكرة فقط من الصحابة.

ثم تطرق الشيخ القرضاوي إلى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيح والذي جاء فيه (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم من إحداكن) فقال الشيخ القرضاوي إن ذلك كان من الرسول على وجه المزاح كما يقول القائل: يا بنات ال وال ثم أردفت الدكتورة مؤيدة كلام القرضاوي أن الأمر كان مزاحًا للنساء لأنه كان يوم عيد، ثم أخذ الكلمة عميد كلية الدراسات الإسلامية بالسودان فأدعى أن الواقع عنده في الكلية أن النساء أعظم حفظًا، وأعلى فهمًا من الرجال وأن آية الدين لا تدل على أن عقل الرجل أرجح من عقل المرأة. بل إن هناك أمور لا تشهد فيها إلا النساء. وكان المشهد يتخلله التصفيق من النساء والرجال كلما ذكر أحد المتحدثين ما يرد به الآية والحديث وعقبت المتحدثة الرابعة في المجموعة قائلة بلهجة التحدي: أريد أن أعرف لماذا كان تصويت المرأة في الانتخابات مساويًا لصوت الرجل، وفي الشهادة على النصف وضربت بيدها على فخذها تحديًا وغرورًا .. وللأسف فقد أقرها الجميع على هذا التناقض الذي ادعت أنه لا مبرر له.

وقد رأيت وأنا أشاهد هذا المشهد البائس كيف وضع فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في قفص الاتهام؟! وجعلت آيات القرآن، محلًا للتندر لا للتذكير والاعتبار رأيت أن من واجبي وقد شاهدت ذلك أن أقول ما أعلم أنه الحق مخافة الكتمان وأن من واجبي أن أرد عن كتاب الله، وحديث رسوله هذه الشبهات، والله المستعان فأقول:

أولًا:

1 -حديث أبي بكرة رضي الله عنه حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه، وقد مضى نصه، وفيه أن أبا بكرة رضي الله عنه رجع من الطريق، وقد كان ذاهبًا للقتال مع الزبير بن العوام، وطلحة بن عبد الله الذين خرجوا من المدينة مطالبين بقتل قتلة عثمان، وقد كان سبب رجوع أبي بكرة من الطريق أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الصديقة بنت الصديق كانت مع الجيش علمًا أنهم لم يؤمروها عليهم، ولم تكن هي التي تقود الجيش، ولا إليها يرجع الأمر، إلا أن أبا بكرة تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم في بنت كسرى: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وقد فهم أبو بكرة أن هذا الحديث على عمومه في كل قوم، وفي كل امرأة ولو كانت هي أم المؤمنين عائشة معلمة الرجال الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها تعالى.

وقد استدل بهذا الحديث جميع علماء الأمة وسادتها ممن يرون أنه لا تولى المرأة الولاية العامة، وسواء كان ذلك على المسلمين جميعًا في كل الأرض أو على فريق منهم، وهذا إجماع بين علماء المسلمين في جميع عصورهم، ولم يشذ عن ذلك إلا من لا يؤبه بخلافة كبعض فرق الخوارج.

2 -لم يأت نص في القرآن والسنة يعارض عموم هذا الحديث بل جميع النصوص مؤيدة لذلك كقوله تعالى الرجال قوامون على النساء، وقوله تعالى: يا أيها الدين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارًا، وقوله تعالى: فاستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ولذلك فقول الشيخ القرضاوي إن حكم، ولاية المرأة لا يؤخذ من حديث أبي بكرة بمفرده موهمًا آن نصوص القرآن والسنة قد جاءت بخلاف ذلك قول غير صحيح فإن النصوص جاءت بتأييد هذا المعنى وأما ما استدل به الشيخ القرضاوي أن القرآن قد جاء بخلاف ذلك كقوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وقوله سبحانه: (إن المسلمين والمسلمات ... ) الآية فإن هذه النصوص لا تخالف حديث أبي بكرة فكون المرأة مكلفة كالرجل بالإيمان والعمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني تساويها مع الرجل في كل وجه، ولا أن لها حق الولاية العامة، وإمامة المسلمين! ولا أن من ولوا أمرهم امرأة كانوا من الفالحين الفائزين فأين النصوص من القرآن والسنة التي جاءت مخصصة عموم هذا الحديث أو مقيدة مطلقة؟

3 -هذا عمل أهل الإسلام في كل عصورهم هل كان هناك عمل بخلاف ذلك؟!

4 -وأما قول الشيخ القرضاوي - عفا الله عنا وعنه - إن حديث الرسول: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) كان مختصًا بزمان النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان فيه الحكم استبداديًا، وكان للرجال وحدهم. وأما الآن فالحكم ديمقراطي شوري مؤسسي فهو كلام خطير وكبير فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق حكمًا عامًا بلفظ عام لا يختص بزمانه، ولا بقوم دون قوم فقال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وجعل مثل هذا النص مقيدًا بالزمان الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتهام للنبي بالعي عن البيان ثم أن هذه شبهة كبيرة يمكن أن يبطل بها كل الأحكام بدعوى أن زمانها قد ولى وفات ونحن في زمان غير ذلك الزمان، وهذه حجة من يعترض الآن على جميع التشريعات الإلهية في المواريث والزواج والطلاق، والعقوبات، بل والمال والسياسة والحكم، فما هو رد الشيخ القرضاوي على من أخذ بهذه الشبهة وقال إن قطع يد السارق ورجم الزاني، وقتل القاتل، إنما كان لعلاج أقوام غلاظ قساة، فجاء الحكم قاسيًا من أجل تأديبهم، وأما في عصر التنوير والرحمة والإحسان فإن العقوبة المخففة أولى

ومن يعترض بمثل هذه الاعتراضات على سائر ما شرع الله لعباده؟!

5 -قول الشيخ القرضاوي - عفا الله عنا وعنه - أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إنما كان مختصًا بوقت كان الحكم فيه للرجال استبدادًا، وأما الآن فلا .. قول يخالفه الواقع، بل لو عكس هذا القول فقيل إن الاستبداد في هذه الأزمان أكثر شيوعًا، وأشد مما كان في العصور السابقة لكان أقرب إلى الصواب، ثم إنه في الأمم السابقة عربًا وعجمًا كانت المرأة تتولى الولايات العامة أحيانًا فقد عرف الفرس والروم والقبط وغيرهم ولاية المرأة فقد عرف العرب ملكة سبأ، والزباء، بل كان في العرب من ادعت النبوة، وقادت الجيوش كسجاح، وقد أخبرنا الرب سبحانه وتعالى عن ملكة سبأ وأن ملكها كان في غاية الأبهة والفخامة، وشدة الأركان، وأن أمرها كان قائمًا على الشورى: (قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون) فالملأ هو علية القوم وأهل الرأي، وقولها: ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون هو أعظم مبادئ الشورى، وأن الملك لا يقطع بأمر ما حتى يشهد الجميع ويدلوا برأيهم فيه، فكيف يقال بعد ذلك إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إنما صدر في زمن لا حكم فيه إلا الرجال الذين يحكمون استبدادًا، وأن الحكم الآن حكم المؤسسات وكأن الشيخ القرضاوي - رعاه الله - لا يعيش الواقع ...

6 -وأما قول الشيخ القرضاوي بأنه يمكن أن يقال إن الممنوع هو الإمامة الكبرى لجميع المسلمين، وأما إمامة قطر من أقطار المسلمين فلا يعتبر إمامة كبرى، وبالتالي يمكن للمرأة أن تحكم أي دولة من دول الإسلام المعاصرة فهذا قول لا وجه له، لأن الإمامة الكبرى أو الولاية العامة لا يعني بالضرورة انضواء المسلمين جميعًا في كل مكان في الأرض تحتها، بل كان من تولى شأن جماعة من المسلمين وكان ممكنًا كان هو إمامهم الأعلى، وكل إمام ليس هناك إمام ورئيس فوقه، فهو إمام عام سواء كان ذلك في شرق الأرض أو غربها، وقد كان علي بن أبي طالب إمامًا عامًا في وقته، ومعاوية إمامًا على من يطيعونه ويأتمرون بأمره، ثم كانت خلافة بني أمية يف الأندلس مع بني العباس في العراق والشام وعدد من الأمصار وتلك في الأندلس، ثم كان للمسلمين أكثر من ولي أمر عام، ثم آل الحال إلى ما نحن فيه

7 -وأما قول د. صوفيا إن الحديث لم يروه إلا صحابي واحد وهو أبو بكرة ... فهذا لا يقدح في الحديث ولا يرد بذلك فمن حيث الصحة فلا شك في عدالة الصحابة، والحديث ثابت صحيح، ومن حيث المعنى فلا يخالف نصًا في القرآن والسنة بل نصوص القرآن والسنة مؤيدة لمعنى هذا الحديث، وكم من حديث لم يروه إلا صحابي واحد ولا يكون هذا قدحًا في الحديث، فإننا متعبدون بخبر الواحد الثقة، وقد عمل الصحابة ومن بعدهم من التابعين وأهل السنة جميعًا بخبر الواحد الثقة، وقد أفرد الإمام الشافعي رحمه الله فصلًا مطولًا في كتابه الرسالة يرد به من قال إن خبر الواحد لا يؤخذ به في العمل والاعتقاد، وإن كان هناك من يفرق بين العمل والاعتقاد فإن هذا الحديث في العمل. فلا يبقى مجال لرد الحديث بأنه من أخبار الآحاد.

ثانيًا:

وأما حديث أبي سعيد فهذا لفظه قال أبو سعيد: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو في فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإن أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى؟ قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال فذلك من نقصان دينها) وهذا الحديث كما نرى إنما جاء في موطن وعظ وتذكير بالآخرة، وتحذير مما يؤول بالمسلمة إلى النار، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا ثلاثًا من الكبائر التي تنتشر في النساء، وهي:

أولًا: كثرة اللعن، ومعلوم أن اللعن إذا لم يجد مكانه ارتد إلى قائله، ولعن المسلم كقتله.

والثاني: كفران العشرة، وجحد النعمة وهي من الكبائر كذلك وجحد المرأة لعشرة زوجها من الكبائر، وقولها له: (ما رأيت منك خيرًا قط) وقد أحسن إليها دهره وعمره أو زمانًا طويلًا من الكبائر، والأمر الثالث هو فتنة المرأة اللعوب الداعية إلى الزنا، وقد صور النبي هذه الفتنة بأن المرأة مع نقصان عقلها عن الرجل في أساس الخلق وكون ما كلفت به من أعمال الطاعة أقل من الرجل وذلك للنقص الخلقي أيضًا عندها، وهو كون الحيض مانعًا لها من الصلاة والصوم، والرجل ليس فيه هذا النقص في أساس خلقته، أي مع كون أن الله قد خلق المرأة دون الرجل عقلًا ودينًا وتكليفًا إلا أن المرأة تغلب الرجل، وتسلب لبه، بل تستطيع امرأة لعوب أن تذهب بعقل رجل حازم وتجعله خاتمًا في إصبعها كما يقولون وربما فتنته في دينه، وأذهبت لبه وفؤاده، قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذه اللفظة من الحديث:"ويظهر لي أن ذلك من جملة أسباب كونهن أكثر أهل النار لأنهن إذا كن سببًا لإذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي فقد شاركته في الإثم وزدن عليه"أ. هـ

والخلاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان في موطن الوعظ والإشفاق على النساء، وقد أخبر النساء بأمر من أمور الآخرة وهو أنهن أكثر من يدخل النار كما جاء في الحديث الآخر: (وقفت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء) ومن أجل ذلك وعظ النبي صلى الله عليه وسلم النساء هنا في موعظة عيد، فدلهن على أفضل ما يكفر الله به الذنوب وهو الصدقة. فقال لهن صلى الله عليه وسلم: يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار دخولًا النار"، ولو كان شيء أفضل من الصدقة في تكفير الذنب لقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) فحث النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة هنا إنما هو من باب الإشفاق على نساء أمته والدلالة لهن على الخير، وأن يفعلن ما عساه أن يكفر الله به ما يقع منهن من الذنوب التي تكثر فيهن، وتشيع بينهن، وقد ذكر النبي ثلاث ذنوب تشيع في النساء وهي كثرة اللعن، وجحد النعمة، وسلب عقل الحازم فضلًا عن السفيه الجاهل من الرجال،، وعلى هذا فالمقام كله مقام وعظ وإرشاد وبيان، وإشفاق، وليس فيه ما يدل من قريب أو بعيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مازحًا."

وقول الشيخ القرضاوي - عفا الله عنه - إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مازحًا هنا، وأنه كقول القائل يا بنات كذا وكذا قول ساقط بعيد عن الحق، فإن المقام لم يكن مقام مزاح، بل مقام موعظة تقطع القلوب، وتبكي العيون ثم إن مزاح النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا حقًا، وصدقًا وهو صلى الله عليه وسلم منزه ومبرأ عن الكذب مازحًا وجادًا، بل تجويز الكذب عليه ولو في المزاح طعن في أصل رسالته، لأنه يمكن أن يحتج بذلك على إسقاط كلامه كله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقًا، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم في قوله لبعض أصحابه مداعبًا: (نحملك على ولد الناقة) فلما حزن منها المخاطب قال له صلى الله عليه وسلم: (أليس الجمل ولد الناقة) ، وكما قال لبنية صغيرة مداعبًا: (كبرت لا كبر سنك) وكان النبي يعني السن لا العمر ...

وقوله لامرأة من الأنصار: (إن في عيني زوجك بياض) وكل عين فيها سواد وبياض فهذا ونحوه مزاح وكله حق، وليس فيه كذب.

قال ابن حجر رحمه الله في بيان فوائد هذا الحديث، وأنه كان موعظة بليغة:

وفيه جواز عظة الإمام النساء على حدة وقد تقدم في العلم، وفيه أن جحد النعم حرام، وكذا استعمال الكلام القبيح كاللعن والشتم، واستدل النووي على أنهما من الكبائر بالتوعد عليها بالنار، وفيه ذم اللعن وهو الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى، ومحمول على ما إذا كان في معين، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة تغليظًا على فاعلها لقوله في بعض طرقه: (بكفرهن (كما تقدم في الإيمان، وهو كإطلاق نفي الإيمان، وفيه الإغلاظ في النصح بما يكون سببًا لإزالة الصفة التي تعاب، وأن لا يواجه بذلك الشخص المعين لأن في التعميم تسهيلًا على السامع، وفيه أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين، وأن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان كما تقدم، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك لأنه من أصل الخلقة لكن التنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرًا فيما يحصل الإثم به، بل في أعم من ذلك قاله النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلًا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي، وهل تثاب على هذا الترك لكونها مكلفة به كما يثاب المريض على النوافل التي كان يعملها في صحته وشغل بالمرض عنها؟ قال النووي:(الظاهر أنها لا تثاب، والفرق بينها وبين المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته، والحائض ليست كذلك، وعندي - في كون هذا الفرق مستلزمًا لكونها لا تثاب - وقفة، وفي الحديث أيضًا مراجعة المتعلم لمعلمه والتابع لمتبوعه فيما لا يظهر له معناه، وفيه ما كان عليه من الخلق العظيم والصفح الجميل والرفق والرأفة، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا) . الفتح.

الهجوم على هذا الحديث طويل ومتواصل من الذين يكذبون بالدين كله، ويأخذون من هذا الحديث وآيات القرآن التي فرقت بين الرجال والنساء في القوامة والميراث والتكليف، سببًا للطعن في الدين، وأنه منحاز للرجال، ومعاد للنساء، وأن المرأة مساوية للرجل خلقًا وعقلًا، وأنها يجب أن تكون مساوية له حقًا وواجبًا وتكليفًا، وللأسف أن يوافقهم بعض المسلمين متأثرين بهذا الهجوم على حقائق الإسلام، ومن أجل ذلك يريدون تطويع النصوص لتوافق ما يقوله الكفار الجاهلون. والحق أن الله سبحانه وتعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى، وجعل النساء شقائق الرجال، وفارق سبحانه في خلق كل من الذكر والأنثى لتتم عمارة الحياة، ومن أجل ذلك جاءت المساواة بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام، وجاءت المخالفة بين الرجال، النساء في أحكام أخرى مما يقتضيه العدل والحكمة والإحسان. وهذه هي الأمور التي قامت عليها الشريعة الحكيمة المطهرة، وليس هذا مجال تفصيل ذلك، وإنما المقصود هنا أن محاولة رد هذا الحديث: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين ... ) الحديث. بشبهات لا معنى لها محاولة ساقطة لأن الحديث ثابت صحيح، وهو مطابق للآية: (فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم نقصان العقل بجعل الله شهادة الرجل بشهادة امرأتين، ونقصان الدين يكون المرأة، تمكث الأيام لا تصلي ولا تصوم والرجل لا يقع له ذلك، ولا شك أن المرأة غير ملومة في ذلك لأن هذا من فعل الخالق سبحانه وتعالى لحكمته العظيمة، ونعمته السابغة، ورحمته الواسعة، وله الحمد والفضل والمنة.

فكل خلق الله حسن، وكل شرائعه عدل، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، فخلق المرأة على ما هي عليه ليتم أمن البيت وسلامته، واستقراره، وإلا فكيف يتصور حياة بين رجال، ونساء، يكافئن الرجال في القوى البدنية، والقوى العقلية؟! إن هذا أمر متعذر أو مستحيل

وأما اعتراض المتحدثة المشاركة للدكتور القرضاوي في هذه الندوة المشار إليها بقولها: كيف يا علماء الشريعة تسوون بين الرجل والمرأة في الصوت الانتخابي، وتفارقون بين الرجل والمرأة في الشهادة؟! ثم تصفيقها بيدها، وتصفيق الحاضرين، وسكوت الجميع على هذا الإشكال والاعتراض والشبهة

فنقول:

أولًا: الذي جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين هو الله سبحانه وتعالى في كتابة المحكم وتشريعه القويم، وأما جعل المرأة كالرجل في الصوت الانتخابي، فهذا أمر حادث والعملية الانتخابية بكليتها من الأمور المستحدثة اقتباسًا مما عند الغرب في نظامهم الديمقراطي وعندهم التسوية بين صوت وصوت سواء كان لعالم أو جاهل، خبير بالأمر الذي يصوت عليه أو جاهل به كل الجهل، صادق فيما قصده بصوته الانتخابي أو متبع لهواه، قد باع صوته بعرض من الدنيا ... الخ

ولا شك أن هذا ليس من العدل والحكمة، وعلى كل حال فإن التصويت لانتخاب مرشح إنما هو من باب الوكالة، ويجوز في الوكالة التسوية بين المرأة والرجل، فإنه كما يصح للرجل أن يوكل غيره رجلًا كان أو امرأة، فإن المرأة كذلك يجوز لها أن توكل غيرها رجلًا كان أو امرأة.

وباب الشهادة غير باب الوكالة؟! فلو قال بعض العلماء المسلمين إن صوت المرأة كصوت الرجل في الانتخابات فإنما يحمله على أنه من باب الوكالات وباب الوكالة غير باب الشهادة

ثم إن باب الشهادة كذلك باب واسع، فإنه ليس في كل أبواب الشهادة تكون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، فإن شهادة المرأة وحدها مقبولة في إثبات في الرضاع، وإثبات في الحمل والولادة، وإثبات العيوب الخاصة بالنكاح، وإنما جعلت شهادة الرجل بشهادة امرأتين في عقود الدين، وما جرى مجراها من المعاملات المالية، وقد ترد شهادتها مطلقًا في بعض العقود كعقود النكاح والطلاق والرجعة ...

كما ترد شهادة بعض الرجال في حالات كالقاذف والأعمى، وبعض الأقارب لأقربائهم ... الخ والشاهد أن باب الشهادة باب واسع، ولا يجوز أخذ فرعية منه وتعميمها على كل فروع الشهادة فإن قبول شهادة المرأة بمفردها في بعض الحالات لا يعني أن تكون شهادتها مثل شهادة الرجل في كل الحالات كما أن هناك فارقًا بين الرواية والشهادة، فإن المرأة تقبل روايتها للحديث النبوي وغيره، وهي مثل الرجل في ذلك، ولا يلزم من كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل ألا تقبل إلا رواية امرأتان وكذلك لا يلزم من تماثل الرجل والمرأة في الرواية، والإخبار أن يتماثلا في الشهادة والشريعة الحكيمة جاءت بالتفريق بين هذا وهذا.

لا مجال للمقارنة بين شريعة الله المطهرة، وأحكامه المبنية على العدل والإحسان والحكمة، وبين شرائع الشيطان، فأين ما شرعه الله لعباده في عقد الزواج الإسلامي المطهر من إباحة الزواج خارج دائرة المحرمات من النساء وهن الأم والبنت والأخت والعمة والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وأم الزوجة، وبنت الزوجة، وما شرع في الخطبة وأركان عقد النكاح وشرائطه، وآثاره، وكيفيات إنهائه، وما شرعه الشيطان لاتباعه الكافرين من العقد على المحارم، والتسوية المطلقة بين حقوق الرجل والمرأة، وتقسيم أموال الزوجين بعد الطلاق والفراق، وتقسيم الأولاد وإباحة العشرة بلا زواج، وعقد عقود الزواج بين المتعاشرين بعد عشرة طالت أو قصرت، وإباحة عقد الزواج بين رجلين، وبين امرأتين، وإيجاب النفقة على المرأة وجعلها مساوية للرجل في عقد النكاح من كل وجه ... الخ هذه الظلمات الدامسة والفسق والعهر، والعمي والضلالة ..

أين تشريع الله النظيف الطيب من هذا الذي شرعته الشياطين لأوليائها فجعلت حياتهم رجسًا ضنكًا.

والعجب أن هؤلاء الذين يعيشون في هذه الظلمات والنجاسات هم الذين يعترضون على تشريع الله وحكمته وعدله وإحسانه فيالله العجب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت