فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 137

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد:

فقد نقلت مجلة المجتمع في عددها 1319 وتاريخ 9 جمادئ الآخرة لسنة 1419 هـ ما قاله القرضاوي في مؤتمر"نحو فقه معاصر لإعلام معاصر"الحادث في القاهرة، بخصوص تكييف الفقه مع التطورات المعاصرة، وتمثيل المرأة، والغناء، والموسيقى، والتصوير، وغيره مما لا يراه الفقهاء.

وكانت آراء القرضاوي وتصريحاته صدمة عنيفة لكثر من طلبة العلم، وأصحاب الرأي، والفكر، والعقل من المسلمين.

وسأرد على أهم ما جاء في مقالات القرضاوي من أمور شرعية أو إعلامية من واقع الخبرة والدر اية، وا لتجربة ا لما ضية، وا لحا ضرة. فأ قول:

أولا: تقول يا شيخ (( إن على الفقهاء التكيف مع تطورات العصر بفقه جديد وفهم جديد ) )، وأسأل القرضاوي: كيف تفهم التكيف الذي تتحدث عنه؟ وإنه لمما يؤسف له أن يخرج مثل هذا التعبير من مثلك، ممن ينتسب إلى العلم والفقه. فمقتضى التكيف الفقهي مع تطورات العصر حسب قولك أن نسر وفق أحداث العصر أيأ كانت هذه الأحداث والتطورات دون أن نرد أي رأي مخالف للشرع مهما كانت المخالفة ما دامت موافقة لصيحة العصر. أو بمعنى أدق: على الفقه والفقهاء أن يلهثوا وراء التطورات المعاصرة ويخضعوا لها كل النصوص والأدلة حتى لا تتعوق أو تتقهقر، وأن يزيحوا عن طريقها كل ما يردها أو يخالفها.

وأقول للقرضاوي:

· إن كانت هذه شهوتك فقد فاتت على كثر من الناس قبلك شهواتهم.

· وإن كانت مجاراة للناعقين فهم حظك من اليقين.

· وإن كانت وجهة نظر لك في الدين فلست مصدرا للتشريع.

· وإن كانت زلة، فاستغفر ا لله رب العالمين، وبين خطأك، وخطر مقولتك حتى لا تحمل أوزارك وأوزار الذين تضلهم بغير علم.

أما الفقه فهو شرع ا لله الذي لا تتطاول إليه الأيدي مهما كانت تلك الأيدي، استنبطه الفقهاء من كتاب ا لله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن قواعد الشرع العامة، رليس لمثلك ولا لمن هو أظهر منك وأقدر أن يلغي الفقه هكذا مجاراة ومحاباة لبريق الإعلام رالإعلاميين ويجعله تابعاذليلا يقاد من أنفه، و بجرأة ليس الا مثيل. فإن هان عليك الفقه والفقهاء فلا يهونون عند أهلهم الصادقين الصابرين، وإن كنت تجرأ على انتقاص الفقه والفقهاء بهذه الطريقة المخزية، فاعلم أن الفقه لم يكتبه فلان أو فلان من الناس، وإنما كتبه علماء جهابذة عبر العصور والدهور في تمحيص وتدقيق وأخذ ورد يتعصى على أي أمة مثله، وهم حريصون على حفظ بضاعتهم في الحق آلاف حرصك على إرضاء الإعلام والاعلاميين وموكب المهزومين الخاضعين. وليس من حقك من قريب ولا بعيد ولا من حق غيرك أن يتنازل عن شيء من شرع الله العظيم، فالفقه ليس ملكك ولا ملك أحد من الناس حتى يتنازل عن شيء هنه. فاتق الله يا قرضاوي ولا ترضي الرعاع بغضب ا لله.

فالحق الذي ليس بعده حق أن الحياة بجميع أعمالها يجب أن تخضع رتتكيف مع شرع الله، وليس العكس.

ثانيآ: تقول يا شيخ: (( إن الإسلام يريد إعلاما حيا شاملا من دراما، ومسلسلات، وأفلام، ومسرحيات، وبرامج علمية ومهنية، وترويحية مختلفة، كبدائل كاملة للإعلام الغربي اللاديني الموجه ضد المسلمين ليفسد عليهم دينهم، وسندهم في ذلك الفقهاء والفقه المعاصر المعتدل المرن ... الخ ) ).

وأسألك با لله العلي العظيم من أين أتيت بأن الإسلام يريد إعلاما كما وصفت يا قرضاوي؟ وكيف تسمي هذا البلاء العظيم إعلاما؟.

· إما أنك تجهل الحق.

· أو تستغفل الناس.

فالإعلام في الحقيقة شىء، وما ذكرته شيء آخر تماما فليس الإعلام هو هذا الذي تقول، ولا يقرب منه، وليس ما تراه وتسمعه من هذيان، وإنما يؤتي بمثل ما تقول، وما ترى وما تسمع لتضليل الناس استغلالا لجهلهم بالإعلام الحق، ولعلك أنت ممن يجهله بدليل وصفك للإعلام بما ذكرت.

إن الإعلام الحقيقي له شأن عظيم وما للناس اليوم حظ فيه إلا الاسم، فقد مسخت اليهودية العالمية حقيقته، وروجت عنه بأنه مثل ما وصفته أنت وقلت عنه إنه الإعلام الذي يريده الإسلام، والإسلام منه ومن قولك هذا براء. وأنا أعلمك ما هو الإعلام في الإسلام: هو إعلام الناس باخير ليأخذوا به، وتحذيرهم من الشر ليجتنبوه، سواء كان في الدين أو الدنيا.

وليس هو هذا الغثيان والبلاء العظيم الذي تتحدث عنه وتدعو إليه، وأنت تشهد ما حل بالمسلمين بسببه من الإنحلال والفاحشة والرذيلة.

ثالثا: تقول يا شيخ: (( إن اشتراك المرأة في التمثيل أهر ضروري لابد منه، لأننا لا نستطيع أن نخرج المرأة من الحياة ) )ونقول لك إنك تتحدث باسم الإسلام والفقه والفقهاء، ومثلك لا يجهل قواعد الشرع، فكيف تفهم قاعدة الضرورة، ومصطلح الأصوليين والفقهاء فيها؟

إن الخلط من مثلك لكبير، فإنك تعلم يقينا أنه لا معنى هنا للضرورة من قريب ولا من بعيد، ولا يقول بها هنا أدنى ذي لب أو علم أو فقه، ولا يبلغ بها أحد مبلغ الحاجة، بل ولا الإباحة، بل ولا الكراهية، وإنما يبلغ بها التحريم القاطع، وضرورة اجتناب المرأة للتمثيل.

· فإما أنك تجهل يا شيخ وهو بعيد.

· أو أنك تستجهل الناس وهو شنيع.

· أو أنك لا تبالي بهم ولا بمشاعرهم وقيمهم الدينية وهو أشنع وأفضع.

وقد تعلم يا شيخ كم حذرت النصوص من اختلاط الرجال بالنساء، وخلو الرجل بالمرأة، وجعلت ابتعاد أحد الجنسين عن الآخر أصلا عظيما من أصول الشرع.

ألم تسمع:

1 -قول ا لله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) .

2 -وقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) .

3 -وقوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) .

4 -وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ألا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان ) ).

-وقوله: (( المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ) ).

6 -وقوله: (( إياكم والدخول على النساء ) ).

7 -وقوله: (( ماتركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء ) ).

وغير ذلك من الآيات والأحا ديث.

وهذا في عموم الحياة التي تكون الفتنة فيها محدودة في الغالب. فكيف بامرأة يقذف بها في جحيم التمثيل، الذي كله فتنة، وإغراء، وتعر، وخلوة، وقلة حياء، حيث ستمثل المرأة فيه وتتدرب على كل الأدوار في جميع مراحل تعليم التمثيل قبل أن تصل إى التمثيل أمام الجماهير. فستبكي، وتضحك، رترتمي في أحضان الرجال، وتتكسر وتتمايل بما يثير شهوة الرجال، وستقبلهم رتداعبهم أكثر مما تفعله الزوجات شاءت أم أبت إذا هى اختارت هذا الطريق بحجة التدريب على مختلف الأدوار، و لا تستطيع أن تقول لشيء من ذلك ونحوه: لا؟ لأنها لو قالتها فستكون مسخرة لجميع الحاضرين من طلاب الفجور، وسيقذفونها بألفاظ ويصفونها بصفات تعجز عن تحملها، وربما طردت علنا لكي يؤدبوا بها الأخريات. ثم إذا جاء دور التمثيل أمام الجماهير، فسوف تتدرب على دورها مرات ومرات قبل أن تظهر أمام الجمهور، سواء كان ذلك في المسرح أو السينماء أو الإذاعة المرثية. ولابد في ذلك من خلوات وخلوات يحدث فيها، تبادل النظرات، والأحاسيس، والمشاعر، والإعجاب، وغير ذلك من ألوان الفجور، وهذا على أقل تقدير. ثم إذا جاء وقت الظهور إلى الجمهور فلا تسأل عن أمكنة الانتظار الضيقة المظلمة التى تستعد فيها الممثله مع زميلها في خلوتهما للخروج إلى الجمهور. وقد يتعطل العرض أو التصوير أو التسجيل، فتلبث المرأة مع الرجل في خلوتهما وقتأ طويلأ وراء الستائر المظلمة، ويمكنك أن تتصور ما يحدث من تقارب وتلامس وهمس وأنفاس، وغير ذلك مما لا يقره دين، ولا عقل، ولا بشر قويم.

ثم يأتي دورها مع الجمهور. فتخرج إليهم بكل ما تملكه من إغراء جنسي ولو كانت في دور قتالي. فتهيج تفتن أمة من الناس بتكسرها وتمايلها وحركات أعضائها الفاتنة ووجهها الوضاء، فتثر أحاسيس الشهوة عند من لا شهوة له، وتهيج نار الفتنة والخنا والرذيلة.

هذا هو دور المرأة في التمثيل وواجبها الأول والأخير، كما رسمته اليهودية للناس، فأردتهم، وأرذلتهم، وقادتهم إلى هاوية الجحيم. وعجز الكاتب الفكري والمخرج رالمنتج يعانق هذه الفكرة ويباركها، فهي أقرب وأرخص سبيل لجذب الناس إلى الشباك والشاشة من غير عناء ولا فكر ولا عقل. فقد ألغى الوجه الجميل كل القيم في التمثيل إن كانت فيه قيم،! انه مع الوجه الجميل لا يحتاج الناس الذين تربوا على هذا الغثيان إلى أدب، ولا فكر، ولا عقل، رلا أخلاق. والضحية هي الأمة بدينها، وقيمها، وكرامتها.

هذه حقيقة الممثلة عندنا، وحقيقة التمثيل يا شيخ قرضاوي.

الرد عليه من واقع الخبرة الشخصية:

وأقول بحق إنه لا حاجة بالأمة إلى التمثيل أصلا، فخير قرون هذه الأمة هي القرون التي خطت من التمثيل، وأحط القرون هي القرون التي حدث فيها التمثيل. ثم إنه لو قلنا بالتمثيل فرضا، فلا حاجة بالتمثيل إلى المرأة، فدور المرأة في التمثيل هو ما سمعت. وقد دلت الحقائق على صدق ما أقول وتبوته. فقد أخرجت مسرحية (( خادم السيدين ) )وهي مسرحية هزلية تعتمد في هم أدوارها على النساء. فألغيت جميع الأ الأدوار النسائية في هذه المسرحية، وحولتهاإلى أدوار رجالية، وحجبت عنها الموسيقى، وجعلتها باللغة العربية الفصحى. وقام بتمثيل أدوارها طلبة إحدى الكليات، ممن لا علم هم بالتمثيل، ولا شهرة لهم. وتم التدريب في وقت ضيق جدا نظرا لظروف الطلاب الخاصة، فلما عرضناها في القاعة العامة لهذه الكلية، قام الناس وقعدوا من الضحك، وتعالت هتافاتهم بالسرور والإعجاب بدرجة غير معهودة. وانهالت على هذه الكلية ألوان من الثناء والتقدير من مختلف الطبقات على هذا العمل الفريد من نوعه، حتى بعث بعض الوزراء من أصحاب الاهتمام، ممن حضر هذا العرض ثناء عطرا

إلى إدارة هذه الكلية شاكرا لها حسن العمل، وكان مما قاله: (( لم أسمع ولم أشهد لمثل عملكم هذا نظيرا، فلقد سعدت كثيرا أن أرى عملا جادا على هذا المستوى وبهذه الكيفية العالية من الفكر والعقل، وقدرة الأداء وحسن التناسق ) )هذا رغم تدني جميع الظروف اللازمة لإقامة مثل هذا العمل من حيث الفنيات والقدرات البشرية والآلية. وهو إثبات قاطع ودحر لدعوى ضرورة، أو حاجة التمثيل إلى المرأة.

وإثبات آخر: لقد جرت مسابقة فنية قبل عدة سنوات بين كندا، واليابان والعرب، كل بلغته في أكاديمية الفنون في برلين الغربية في ألمانيا، واختاروني لأمثل العرب في ذلك فأعددت خشبة المسرح بالديكورات الضوئية، وأعددت عملا يقوم به ثلاثة رجال باللغة العربية، ولم استخدم الموسيقى، وإنما الذبذبات، بعض الإيقاعات الصامته التي تربط بين المواقف، فحاز هذا العرض على التقدير الأول من بين المجموعات الثلاث.

وإثبات آخر: مثل في فيلم الإثنى عشر الأمريكي ثلاثة رجال فقط، وليس فيه امرأة ولا ذكر لامرأة. وعرض في برلين الغربية عدة سنوات متصلة، وهو ما لم يعرض مثله من قبل، وكانت التذاكر طول هذه السنوات تحجز مسبقا لتزاحم الناس عليه.

فما تقول يا شيخ في هذا؟ أم أنها التنازل والمجاملة خشية الناس، ومسايرة لمن لم يبك على هذه الأمة في دين، ولا خلق، ولا أدب، ولا فكر، ولا عقل، ولا كرامة من أمثال قاسم أمين، ومن تبعه ممن يريدون تحرير المرأة من الحياء والحياة، وتقديمها للتمتع بها إلى حين، ثم قذفها في مجمع النفايات، ثم في قعر الهاويات. وإن إخراج المرأة من الحياة الذي تخشاه عليها أيها الشيخ هو ما تدعوهاإليه لو أبصرت. وإنها لمهزلة أي مهزلة، ومسخرة ليس بعدها مسخرةأن تقول يا شيخ: إن للمرأة أن تدخل التمثيل، بضوابط الشرع.!!!!

والله المستعان

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

[بقلم: سليمان الثنيان]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت