[الكاتب: جمال سلطان]
نشر الأستاذ فهمي هويدي - في منبره الأسبوعي بجريدة الأهرام المصرية - فتوى مثيرة للشيخ يوسف القرضاوي حول مسألة"الديموقراطية"، أراد منها الشيخ القرضاوي - بارك الله لنا في عمره وعطائه - أن يكشف للإسلاميين عن حقيقة الموقف الإسلامي الشرعي من"الديموقراطية"، أو كما يعبر الأستاذ فهمي هويدي بقوله: (إن الشيخ القرضاوي أراد أن يحسم في فتوى مفصلة تلك العلاقة المتوترة بين بعض الإسلاميين والديموقراطية أو أن يؤصل من منطلق شرعي موقف الإسلام من مختلف القيم التي تقوم عليها الديموقراطية) .
القضية على جانب كبير من الأهمية، وعندما يدلي فيها بدلوه فقيه في حجم يوسف القرضاوي، فإن الأمر فيها يزداد خطورة وأهمية، وإذا أضفت إلى ذلك أن المنبر الذي نشرت من خلاله الفتوى يقرؤه ما لا يقل عن مليون ناطق بالعربية، فإن الخطر - ولا شك - يتعاظم، ويفرض نفسه على كل صاحب قلم وحامل فكر.
والفتوى - في صورتها التي نشرت بها - غير ذات موضوع أصلًا، وشبه معدومة القيمة، وحسبك أن تكون أمام كلام لا تستطيع أن تقول عنه: إنه صواب، بنفس القدر الذي لا تستطيع فيه أن تقول: إنه خطأ، وإنما ثمة التباس غريب، وحقائق موضوعية وتاريخية غابت عن الشيخ أدت إلى خلل في حديثه، يستدعي مني وقفة غير قصيرة أناقش فيها"حيثيات"الفتوى، مطمئنًا إلى سعة صدر صاحبها، وما نعلمه عنه من حرص على استبانة الحق حيثما كان، وهمه المخلص - إن شاء الله - بالقضايا الكبرى التي تشغل بال الشباب المسلم في هذا العصر.
سؤال الفتوى - كما أثبته الأستاذ فهمي - هو: هل الديموقراطية كفر حقًا؟.
فافتتح الشيخ حديثه بالقول: (إن جوهر الديموقراطية أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها، هذا هو جوهر الديموقراطية) .
ثم يضيف الشيخ معقبًا: (الواقع أن الذي يتأمل جوهر الديموقراطية يجد أنه من صميم الإسلام) وهذا المدخل، هو الخطأ الأول والجوهري الذي ترتب عليه خطأ الفتوى برمتها.
لقد قرر الشيخ أن جوهر الديموقراطية هو أن يختار الناس من يحكمهم .. الخ، وهذا هو ناتج أساسي من نواتج الديموقراطية، أو مظهر بارز من مظاهرها ولكنه ليس جوهر الديموقراطية كما توهم الشيخ، وإنما الديموقراطية هي - في جوهرها - رفض"الثيوقراطية"، أي سلطة الدين والحكم باسم الله في الأرض، والميلاد التاريخي للديموقراطية كان نتيجة صراع الدولة ضد الكنيسة، الحكم المدني ضد الحكم الديني، الحكم باسم الشعب والبشر ضد الحكم باسم الله والدين، وبوجه آخر نقول: إن الديموقراطية هي وجه العملة الآخر للعلمانية، وكان من مترتبات ذلك أن ترفع وصاية أي بشر مهما كان جبروته وسلطانه، عن كاهل الشعب، لأننا إذا رفضنا وصاية الدين والإله، من أجل الشعب، فكل وصاية دونها على الشعوب تكون مرفوضة بطريق الحتم والمنطق.
ومن هنا تولدت الوسائل والنظم التي تحكم إدارة الشعوب لمجتمعاتها بحيث تحول دون ظهور القهر والتسلط والاستبداد بأي وجه يكون، وذلك بعد أن حققت الدولة المدنية - بمفكريها ورجالاتها النصر النهائي على الكنيسة ورجال الدين، وانتزعت السيادة منهم، على النحو الذي يعرفه أي دارس للتاريخ الأوربي الحديث.
كان من مترتبات هذا النصر النهائي للحركة الديموقراطية، أن نزعت صفة القداسة عن أي وضع وأية قضية وأي معنى، ما لم يقرر الشعب أنه مقدس، والحرام هو ما غلب رأي الناس على أنه حرام، والحلال هو ما غلب رأي الناس على أنه حلال، بغض النظر عن أية مرجعية أخرى، دينية أو غيرها، لأنك إذا قررت بأن ثمة مرجعية تشريعية هي فوق البشر أو قبل رأي الشعب، فأنت بذلك تكون قد نقضت أصل الديموقراطية، لأنك إذا قلت - مثلًا - إن هذا الأمر لا يجوز للناس العمل به بنص القرآن، فأنت بذلك جعلت الحكم لله، وليس للشعب، وإذا ما سحب الحكم والتشريع من الشعب، فقد انتهت قصة"الديموقراطية".
هذه هي قصة الديموقراطية - باختصار - وهذا هو جوهرها، الذي يعلمه علم اليقين الأستاذ فهمي هويدي وتياره الفكري، فهل يا ترى نستطيع أن نقول مع الشيخ: (إن الذي يتأمل جوهر الديموقراطية يجد أنه من صميم الإسلام؟!) ، أو أن نقول معه أيضًا: (إن الإسلام قد سبق الديموقراطية بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهرها، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفوق أصوله دينهم، ومصالح دنياهم، وتطور حياتهم) .
الواضح تمامًا من فتوى الشيخ، أنه تصور الديموقراطية على صورة معينة يأملها ويتمناها ثم أصدر فتواه مفصلة على هذا"الخيال"الذي داعب أمانيه، لا على الحقيقة التاريخية والموضوعية التي صاغت مصطلح"الديموقراطية"في الفكر الإنساني الحديث.
ولعله من أبين ما يدلك على ذلك، قول الشيخ في فتواه: (وقول القائل: إن الديموقراطية تعني حكم الشعب بالشعب، ويلزم منها رفض المبدأ القائل: إن الحاكمية لله، قول غير مسلم، فليس يلزم من المناداة بالديموقراطية رفض حاكمية الله للبشر، فأكثر الذين ينادون بالديموقراطية لا يخطر هذا ببالهم، وإنما الذي يعنونه ويحرصون عليه هو رفض الديكتاتورية المتسلطة، رفض حكم المستبدين بأمر الشعوب، من سلاطين الجور والجبروت) اهـ.
وأنا - في الحقيقة - لم أستوعب قول الشيخ إن: (أكثر الذين ينادون بالديموقراطية لا يخطر هذا ببالهم، وإنما الذي يعنونه ويحرصون عليه هو .. ) ، هل أجرى الشيخ إحصاءً أنتج له هذه الحقيقة؟، وإذا قال مخالفه"إن أكثر الذين ينادون بالديموقراطية هذا ما يدور ببالهم"، ما الذي يرجح قول أحدهم على صاحبه؟.
إن الفتوى الشرعية تحتاج إلى ضبط في الكلام بصورة أكثر دقة وإحكامًا، من مثل هذه العبارات العاطفية الفضفاضة، وإني لأعذر الشيخ في حماسته هذه في الدفاع عن قيم العدل والحرية وحفظ حقوق الإنسان وكرامته، فمثله ومثلي، يعرف كم هي قاسية سياط الجلادين، وكم هي موحشة سجون المستبدين، بيد أن حديث العدالة والحرية وحقوق الإنسان شيء، وضبط مصطلح فكري وسياسي، لإجراء حكم شرعي عليه شيء آخر، كما أن الواقع يبقى دائمًا ما كان، لا ما ينبغي في تقديري أن يكون، ولنتأمل قول الشيخ: (والمسلم الذي يدعو إلى الديموقراطية إنما يدعو إليها باعتبارها شكلًا للحكم، يجسد مبادئ الإسلام السياسية في اختيار الحاكم، وإقرار الشورى والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الجور، ورفض المعصية، وخصوصًا إذا وصلت إلى"كفر بواح"فيه من الله برهان) اهـ.
وأنا هنا أوافق الشيخ تمامًا على ما حدده من منهج للحكم الإسلامي، ولكن ما الذي يدعوك - يا سيدي - لكي تضع خاتم الديموقراطية على هذا الحديث وذاك المنهج؟! ما هي بالضبط القداسة التي يحملها مصطلح"غربي التكوين والنشأة والتاريخ والصراع والدلالة"، لكي يذكرنا بالهوس الذي طاف بعقول بعض المسلمين في الخمسينيات والستينيات حول مصطلح"الاشتراكية"حتى جعلوها والإسلام وجهين لعملة واحدة!، وها هي التجربة تعود مرة أخرى مع مصطلح"الديموقراطية".
إن الديموقراطية ليست ما يفصله كل واحد على مقاسه، أو يفصله غيره، الديموقراطية منهج كامل لصيانة البناء الاجتماعي، إما أن تقبله، وإما أن ترفضه وتبحث عن منهج آخر يولد لك مصطلحات أخرى أصيلة تناسب عقيدتك ودينك وتاريخك وإنسانيتك.
وإذا جاز أن نقبل المصطلح مع إجراء بعض التعديل عليه ليناسب بيئتنا، فما قولك في مصطلح"الثيوقراطية"، وهو"الحكم الإلهي"، فقط سنستبعد منه احتكار رجال الدين للحكم باسم وصاية السماء - على ما عرفه التاريخ الكنسي الأوربي - ويبقى لنا أنها تعني جعل حكم الله هو المهيمن على البشر والمحدد لشريعة المجتمع، هل نستطيع أن نقول - حينئذ - إن جوهر الثيوقرطية"حكم الله"هو الإسلام؟!.
إنه بالقدر الذي تقول به: إن الديموقراطية من الإسلام، يصح القول: إن الثيوقراطية من الإسلام!!!.
أما نحن، فنقول: إن الديموقراطية والثيوقراطية كلاهما مصطلح أوربي النشأة والتكوين والتاريخ والدلالة، لا يعنينا أمرهما كمسلمين، لأن الإسلام لم يعرف حكم طبقة رجال الدين، كما لم يعرف"صكوك الغفران"، كما لم يعرف الصراع بين الدولة المدنية والكنيسة، أو بين الدين والدولة، وإجمالًا لأن الإسلام كدين وتاريخ وحضارة، ما يفرز لنا - بالبديهة المحضة - اختلاف المصطلحات الفكرية والسياسية والمنهجية بين كلا المنظومتين.
القضية هنا؛ أن بعض المسلمين يتخيل أن حقوق الإنسان والعدالة والحرية وحق تداول السلطة ومنع التجبر في الأرض هي أمور حكر على التنظيم الديموقراطي للمجتمع، بحيث لا يمكن لهم تصور هذه المبادئ تحقق تحت أي مظلة أخرى مصطلحية في الإسلام، وهذا خلل خطير، إن هذه الحقوق والمبادئ الإنسانية مجرد ناتج لميلاد"العلمانية / الديموقراطية"في المجتمع الأوربي، ولكنها أيضًا يمكن إنتاجها وحمايتها وفرضها في المجتمعات الأخرى عن غير طريق"العلمانية / الديموقراطية".
لكن الهيمنة الفكرية الغربية على تيارات الفكر والسياسة في المجتمع المعاصر، والجبروت الذي تمارسه المركزية الأوربية على عقول ونفوس أبناء العالم الثالث - ومنهم بعض المسلمين - لم تعد تدع فرصة للعقل غير الأوربي أن يفكر بأصالة أو يتخيل نتاجًا فكريًا ومنهجيًا لا ينجذب إلى"القطب الأوربي"ومناهجه ومصطلحاته، فكانت معظم الجهود"العالمثالثية"في مجال الأفكار والمناهج والمصطلحات - ومنها هذه الفتوى - مجرد تذييلات وهوامش على المتن الأوربي، بيد أننا - في الحالة الإسلامية - يأبى الضمير الإسلامي إلا أن يسجل تحفظاته الخجلى على الديموقراطية، ويتجاهل أن هذه التحفظات تعني في الواقع الموضوعي رفض الديموقراطية، ولكننا نصر على الاحتفاظ بالمصطلح والدفاع عنه رغم أننا - موضوعيًا - أبطلناه.
إن حزب الفراشة الإيطالي - حزب المومسات - فرض نفسه على الساحة الحزبية ودخلت بعض أعضائه إلى البرلمان الإيطالي لكي يكون"صوت المومس"كافيًا لتشريع أي قانون جديد في المجتمع إذا تساوت الأصوات.
الذي لا يريد أن يعترف به الشيخ القرضاوي أن حزب الفراشة يمارس حقه الديموقراطي، وأنك إذا رفضت وجوده أو رفضت دخوله البرلمان أو رفضت الاعتداد بأصوات أعضائه فأنت غير ديموقراطي، وهذا فعل ضد الديموقراطية، هذه حقيقة موضوعية لا حيلة لك فيها، ولا مهرب لك من الإقرار بها.
صحيح أنك ترفض ذلك، وأنا كذلك أرفضه، ولكن معنى ذلك أننا نرفض الديموقراطية كإطار منهجي للحكم في بلاد الإسلام، ويبقى أن أبحث أنا وأنت عن مصطلح جديد ومنهج جديد، يربط بين الدين والدنيا، الشريعة والمجتمع، العدالة والأخلاق، الحرية والقيم، حق الله وحق العباد، وهي كلها جوانب لا صلة للديموقراطية بها ابتداءً.
ولا يؤرقك يا سيدي أن يرفض الغرب الاعتراف بمصطلحك الجديد ومنهجك الجديد، فهو يرفض دينك من حيث الأصل، كما أن المنطق الذاتي للديموقراطية التي تحكم حياته، يلزمه بقبول وضعية التعددية، هذا إذا أحسنا الظن بالتزامهم أي مبدأ لاسيما في العلاقات الدولية.
في فتوى الشيخ يوسف القرضاوي عن الديموقراطية، هناك خلل آخر، في محاولته تحليل مشروعية بعض الجوانب الإجرائية في الممارسة الديموقراطية، حيث حمل على فهم بعض الإسلاميين لها، وأنا أترك نص الحديث له، ثم يكون تعقيبنا.
يقول الشيخ: (ومن الأدلة عند هذا الفريق من الإسلاميين، على أن الديموقرطية مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام: أنها تقوم على تحكيم الأكثرية، واعتبارها صاحب الحق في تنصيب الحكام، وفي تسيير الأمور، وفي ترجيح أحد الأمور المختلف فيها، فالتصويت في الديموقراطية هو الحكم والمرجح، فأي رأي ظفر بالأغلبية المطلقة، أو المقيدة في بعض الأحيان، فهو الرأي النافذ، وربما كان خطأ أو باطلًا.
هذا مع أن الإسلام لا يعتد بهذه الوسيلة ولا يرجح الرأي على غيره، لموافقة الأكثرية عليه، بل ينظر إليه في ذاته: أهو صواب أم خطأ؟ فإن كان صوابًا نفذ، وإن لم يكن معه إلا صوت واحد، أو لم يكن معه أحد، وإن كان خطأ رفض، وإن كان معه (99) من الـ (100) !!.
بل إن نصوص القرآن تدل على أن الأكثرية دائمًا في صف الباطل، وفي جانب الطاغوت، كما في مثل قوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام:116] {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف:103] وتكرر في القرآن مثل هذه الفواصل القرآنية: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف:187] ).
ثم يضيف الشيخ معقبًا على ذلك بقوله: (وهذا الكلام مردود على قائله، وهو قائم على الغلط والمغالطة.
فالمفروض أننا نتحدث عن الديموقراطية في مجتمع مسلم، أكثره ممن يعلمون ويعقلون ويؤمنون ويشكرون، ولسنا نتحدث عن مجتمع الجاحدين أو الضالين عن سبيل الله.
ثم إن هناك أمورًا لا تدخل مجال التصويت، ولا تعرض لأخذ الأصوات عليها، لأنها من الثوابت التي لا تقبل التغيير، إلا إذا تغير المجتمع ذاته، ولم يعد مسلمًا.
فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع وأساسيات الدين، وما علم منه بالضرورة، إنما يكون التصويت في الأمور"الاجتهادية"التي تحتمل أكثر من رأي، ومن شأن الناس أن يختلفوا فيها. إذا اختلفت الآراء في هذه القضايا، فهل تترك معلقة أو تحسم؟ هل يكون ترجيح بلا مرجح؟ أو لابد من مرجح؟.
إن منطق العقل والشرع والواقع يقول: لابد من مرجح، والمرجح في حالة الاختلاف هو الكثرة العددية، فإن رأي الاثنين أقرب إلى الصواب من رأي الواحد، وفي الحديث: (إن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"."
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: (لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما) انتهى كلام الشيخ.
وهذا الكلام يحتاج إلى بعض التفصيل لما فيه من أوهام ومغيبات.
وبداية أنا أتعجب من كون الشيخ وضع رأي مخالفيه الذين يرى بطلان قولهم وصدره بأنهم يرون"أن الديموقرطية مبدأ مستورد، ولا صلة له بالإسلام"، فهل يا ترى رأي الشيخ القرضاوي أن الديموقواطية مبدأ غير مستورد؟ وأنه مبدأ أصيل نشأ وتولد وترعرع في حنايا التاريخ الإسلامي وتحولاته الحضارية والمنهجية والدينية والسياسية؟! فمتى إذن حدث ذلك؟ وفي أي زمن منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي؟! ومتى استوردت أوربا الديموقراطية من المسلمين؟! وما ملابسات ذلك الحدث التاريخي الفذ والمثير الذي خفي على العالمين هذه القرون الطويلة؟!.
أظن أنه ما كان يليق بالشيخ أن يصدر حديثه بتلك العبارة، وذلك أنه أو أي مسلم آخر لا يستطيع الادعاء بأن الديموقراطية مبدأ غير مستورد من المنظومة الأوربية. وإنما الخلاف هو في موقف الإسلام منها، هذه واحدة.
أما قول الشيخ في رده"المفروض أننا نتحدث عن الديموقراطية في مجتمع مسلم أكثره ممن يعلمون .. ولسنا نتحدث عن مجتمع الجاحدين أو الضالين عن سبيل الله".
فهذا فساد موضوعي ظاهر، فالديموقراطية لا تعنى بهوية الإنسان وإيمانه وكفره ونوعية القيم التي يحملها، فالكل سواء، عالم الدين والبغي والمسلم والنصراني، أما إذا قلت: بأن حق الممارسة الديموقراطية في المجتمع المسملم موقوف على المسلم المتدين، ولا يدخل فيها غير المتدين، أو الشاذ جنسيًا أو النصراني أو اليهودي أو الملحد، فأنت بذلك تتحدث عن نظام آخر، ومنهج آخر سمه ما شئت، إلا أنه - على وجه القطع - ليس الديموقراطية.
وكذلك قول الشيخ: (ثم إن هناك أمورًا لا تدخل مجال التصويت، ولا تعرض لأخذ الأصوات عليها، لأنها من الثوابت التي لا تقبل التغيير، إلا إذا تغير المجتمع ذاته ولم يعد مسلمًا) .
والمفارقة التي يستغربها الشيخ هنا أن المجتمع إذا تغير ولم يعد مسلمًا أمكن له أن يكون ديموقراطيًا، أما إذا ظل مجتمعًا مسلمًا فقطعًا لن يكون ديموقراطيًا لأنه يملك منظومة أخرى من الثوابت والعقائد والقيم التي يستحيل إخضاعها لرأي البشر.
وهنا نعود إلى أصل الخلل في تصور الشيخ لماهية الديموقراطية وجوهرها، ففي الديموقراطية الشعب هو المرجح وهو الحاكم وهو المشرع وهو الثابت الوحيد، فإذا قلت: بأن هناك أمورًا لا تخضع للتصويت أو لا تدخل مجال التصويت، فأنت بذلك غير ديموقراطي قطعًا، وإذا قلت: بأن هناك ثوابت فكرية أو دينية أو خلقية أو اقتصادية أو سياسية لا تقبل التغيير فأنت بذلك غير ديموقراطي، وكذلك قول الشيخ: (فلا مجال للتصويت في قطعيات الشرع) ، قول غير ديموقراطي، لأن تقريرك أن هناك شرعًا يحكم فوق إرادة البشر، فهذا طعن في صلب الديموقراطية وجوهرها.
هل اتضحت الصورة الآن أمام الشيخ وهويدي وتياره؟ إنني أوافقهم تمامًا على كل الضوابط والحدود والأطر التي وضعها الشيخ لسياسة المجتمع المسلم، ولكن الخلل الأساسي أنهم يأبون - لا أدري لماذا - إلا أن يضعوا شعار الديموقراطية على منهج الله ونظام الإسلام السياسي، هل يظنون أنهم يجملون الإسلام ومنهجه بوضعهم هذه اللافتة المستوردة عليه؟! إن الإسلام - يا أصحابي - أجمل وأعلى وأطهر وأعدل من الديموقراطية ومن كل تصور بشري وضع لسياسة المجتمع، وحق الله لا أقول ذلك مجرد انتصار للدين، أو حماسة إيمانية مجردة، وإنما هي قناعة راسخة من تجوال البحث والنظر والتأمل في تحولات التاريخ الإنساني القديم والحديث، ومآلات الأوضاع في العالم الإنساني المعاصر.
يا إخواني: إنكم بذلك تثيرون الارتباك والحيرة والتشتت الذهني والنهضوي في عقول وضمائر شباب الصحوة الإسلامية، الذي تؤمل منه الأمة تحقيق نهضتنا المرتجاة.
لماذا لا تبحثون عن فكرة أصيلة بناءة، تصوغون بها مشروعًا إسلاميًا أصيلًا للنهضة ولتنظيم الفعل الاجتماعي الإسلام الجديد؟، هل أصبح وظيفة الفقيه المسلم الآن و المفكر أن ينتظر البضاعة الغربية - فكرية أو مادية - لكي يضع عليها الشعار التقليدي:"مذبوح على الطريقة الإسلامية"؟!.
يا إخواني: ألم يعرف الإسلام نظامًا ومجتمعًا وحضارة ونظريات سياسة وأنماطًا إدارية، قبل ظهور الديموقراطية؟ ألم يعرف الإسلام ومجتمعه عدلًا ورحمة وحرية واستنارة وتحضرًا وشورى وتعددية فكرية ومذهبية وغير ذلك، قبل ظهور الديموقراطية؟!.
إذا كان الإسلام يعرف ذلك، فحدثونا عنه، وأعيدوا صياغته، وطوروا آلياته ومؤسساته، ودققوا في تنظيماته ووسائل تحقيقه، وولدوا ما تحتاجون إليه من مصطلحات أصيلة وشعارات مسلمة، تعبر عن خصوصية منهج الإسلام في الحكم، بدلًا من هذا التسول الفكري والمذهبي والاصطلاحي المزري والمهين عند أعتاب الفكر الأوربي الحديث.
يا شيخ يوسف: الديموقراطية والعلمانية وجهان لعملة أوربية واحدة، ومن قال لك غير ذلك فقد كذبك، وكلاهما مرفوض إسلاميًا، ولكن ليس معنى رفضهما أننا - بالحتم - نرفض بعض النتاجات التي تولدت عنها والتي تتشابه مع بعض القيم الإسلامية، فحق الأمة في اختيار الحاكم وحق عزله إذا انحرف أو محاسبته إذا أخطأ، وحرية الرأي، وحق الاختلاف، وحفظ كرامة الإنسان وآدميته، وحق تداول السلطة، واحترام حقوق الأقليات، ونحو ذلك، كل هذه أركان أصيلة في منهج الإسلام في الحكم بنص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنها أركان تقوم على أسس تصورية وعقيدية، وتحكمها ضوابط وأطر منهجية، تختلف تمامًا، عن الأسس والضوابط التي تمثلها"الديموقراطية"كمنهجية لسياسة المجتمع البشري.
يا شيخ يوسف: ليس هذا دورك، ولا تلك قضيتك، وإنما هذه تهويمات أدعياء الاستنارة المترفين فكريًا، والذين لا يحملون هموم الأمة ونهضتها، ولا يعرفون قدر دينهم، ومعنى أنهم يحملون رسالة الإسلام للعالمين.
يا شيخ يوسف: لقد سارت فتواك في الناس، واطلع عليها الجمع الغفير من مثقفي الأمة، وإني أسألك بحق العهد والميثاق الذي تحملونه {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} أن تعيد النظر وتجيله فيما أثبته في هذا الحوار، فإن استبان لك خطأ فتواك فبين ذلك للناس، وأنت أعدل من أن تعاند الحق إذا علمته، وإن كان فيما قلته أنا خطأ أو باطل فاكشفه لي وللناس، لعل الله يهدينا لأقرب من هذا رشدًا، والحمد لله أولًا وآخرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[عن كتاب"جهادنا الثقافي"، ص: 54 - 64، طبعة 1993]