في المحنة الحالية التي تمر بها الأمة الاسلامية ينقسم العالم الي فريقين:
إما مع قادة الحرب الصليبية و إما مع الأمة الاسلامية ..
إما مع الحق و إما مع الباطل ..
إما مع أفغانستان و طالبان و إما مع العصابة الدولية التي تقودها أمريكا ..
إما أبيض و إما أسود ..
لا يوجد رمادي ..
لا يوجد لكن ..
و لا بن لاكن ..
إما مع المنافقين و إما مع المؤمنين
و من يحاول أن يمسك العصا من المنتصف ليلتقي مع الأمريكيين في مساحة ما في هذه اللحظة الخطيرة فانه يسقط في خندق المتواطئين مع المعتدين.
وسط هذه الزلازل التي تلت تفجيرات 11 سبتمبر رأينا أمورا عجيبة و غريبة. فبينما الثورة تشتعل في العالم كله ضد أمريكا من المسلمين و غير المسلمين خرج علينا بعض الاساتذة الذين نحترمهم و نقدر علمهم و اسهامهم بما قيل أنه فتوي علي بياض تؤيد الحكومة الأمريكية في ضرب أفغانستان.
هناك فرق كبير بين الفتوي و الرأي السياسي. فالفتوي هي الحكم الشرعي في موضوع معين وفقا للقرآن و السنة دون النظر الي ما اذا كان هذا الرأي يرضي او يغضب أحدا أو جهة أو حكومة معينة. فقد صدر مؤخرا بيان بتوقيع الشيخ القرضاوي و أربعة من المفكرين و الكتاب الاسلاميين المشاهير و قالوا عنه أنه فتوي دينية تجيز مشاركة المسلمين في الجيش الأمريكي في الهجمات التي تشنها أمريكا ضد أفغانستان.
و فجر هذا الموضوع العديد من القضايا علي الساحة الاسلامية نظرا لأنه متعلق بالحرب الصليبية الدائرة الان علي بلد اسلامي في وسط اسيا و يقول مدبروها أنها ستمتد الي المسلمين في 60 دولة أخري.
و رغم الردود الشرعية علي هذا البيان الذي زعم زورا أنه فتوي و تبيان خطأها فان أصحابها ما زالوا يصرون علي موقفهم في كبر و تعال يحسدون عليه.
فالشيخ القرضاوي أصدر توضيحا وصف فيه منتقديه بالسطحية و قال كلاما أخف وقعا مما ورد في الفتوي.
و الاستاذ فهمي هويدي كتب مرة أخري مقالا في الشرق الأوسط يوم 31 اكتوبر و نشر في الشعب 2 من نوفمبر يتمسك فيه برأيه و يسخر أيضا من منتقدي الفتوي و يبدو أن كلاهما لم يعيدا قراءة ما صدر.
و في ضوء ما نشر عن هذا الموضوع فان هذه الفتوي خاطئة و أساءت التقدير في المحتوي و في التوقيت، و لم يوفق كاتبوها من عدة أوجه يمكن إجمالها في النقاط الآتية:
1 -لأول مرة تصدر فتوي بهذا الاسلوب الجماعي، حيث كان يكفي أن يقول الشيخ القرضاوي رأيه لصاحب السؤال و ينتهي الموضوع. لكن الذي حدث أن صدرهذا الرأي ليس بتوقيع الشيخ القرضاوي فقط و انما وقع عليه كل من الدكتور سليم العوا و المستشار طارق البشري و الدكتور هيثم الخياط و الكاتب فهمي هويدي، و هؤلاء مفكرون لهم اسهامات في مجال الفكر و ليس الفقه الاسلامي. و صدور هذا البيان بهذه المظاهرة من التوقيعات لأسماء لها وزنها يعطي انطباعا بانهم يريدون أن يرسلوا رسالة لجهة ما بهذا الرأي و ليس فقط الرد علي سؤال كأي بيان سياسي.
2 -التوقيت الذي صدر فيه البيان أظهر الموقعين عليه و كأنهم انحازوا الي أمريكا في الحرب الدائرة ضد الشعب الأفغاني المسلم. ففي الوقت الذي تصدر فيه بيانات من العلماء في كل أنحاء العالم و بشكل جماعي تؤكد حرمة التحالف مع أمريكا و تقول ان دعمها و مظاهرتها علي المسلمين الأفغان من نواقض الاسلام يخرج علينا بيان القرضاوي و رفاقه يحرضون المسلمين الأمريكيين علي المشاركة في الحملة الامريكية لمكافحة ما يسمي بالارهاب في أفغانستان و اقامة حد الحرابة علي المسلمين الذين يروعون الآمنين و تأديب الذين يؤوونهم حتي لو كان في هذا قتل المدنيين. أي أن الأمة كلها في واد و أصحاب البيان في واد آخر.
3 -الفتوي تجاوزت السؤال و هو مشروعية مشاركة المسلمين في العمليات العسكرية الي مشروعية العمليات العسكرية التي تشنها أمريكا. فاجازت الفتوي ما تقوم به أمريكا، بل و أسبغت مشروعية لكل العمليات العسكرية التي يقودها بوش تحت مسمي مكافحة الإرهاب ووضح أن محرر الفتوي و هو الدكتور سليم العوا قد أضاف الي ما قاله الشيخ القرضاوي كلاما غريبا يوحي و كأن بوش مطالب بتطبيق الشريعة الاسلامية من خلال تنفيذ حد الحرابة علي الإرهابيين المتهمين بتفجيرات نيويورك اذ تقول الفتوي:"ولو ان الاحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة عُوملت بمقتضى نصوص الشريعة وقواعد الفقه الاسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة الوارد في سورة «المائدة» (الآيتان 33 و34) . لذلك، فاننا نرى ضرورة البحث عن الفاعلين الحقيقيين لهذه الجرائم، وعن المشاركين فيها بالتحريض والتمويل والمساعدة، وتقديمهم لمحاكمة منصفة تنزل بهم العقاب المناسب الرادع لهم ولأمثالهم من المستهينين بحياة الابرياء وأموالهم والمروعين لأمنهم."و كأن أصحاب الفتوي يطالبون المسلمين بالدخول في العصابة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لارهاب المسلمين تحت زعم التعاون علي البر و التقوي حيث تنص الفتوي علي أن"من واجب المسلمين المشاركة فيه بكل سبل ممكنة، تحقيقًا لقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» (المائدة 5) .. و لا ندري أي بر هذا الذي يقتل المسلمين في افغانستان و ما هي هذه التقوي التي يتحدثون عنها في ازهاق الارواح و ابادة الاخضر و اليابس في افغانستان."
ويقول أصحاب الفتوي:"والواجب على المسلمين كافة ان يكونوا يدًا واحدة ضد الذين يروعون الآمنين ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي، لان الاسلام حرم الدماء والأموال حرمة قطعية الثبوت الى يوم القيامة، إذ قال تعالى: «من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا، بغير نفس أو فساد في الارض، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم ان كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون» المائدة (32) ، فمن خالف النصوص الاسلامية الدالة على ذلك فهو عاص مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما يترتب عليها من فساد أو إفساد."
و هم هنا يتحدثون عن حرمة دماء الأمريكيين فقط و لم يتحدثوا عن حرمة دماء المسلمين في أفغانستان و هذا يكشف الي أي مدي تفيد الفتوي الرئيس بوش و الادارة الأمريكية و تقدم لهم خدمة جليلة تضفي مشروعية اسلامية لم يحصلوا عليها بهذا التأييد المطلق من أقرب اعوانهم في العالم العربي.
4 -الفتوي ليست خاصة كما يقول الدكتور القرضاوي في التوضيح الذي نشره فيما بعد و الاستاذ فهمي هويدي في مقاله الثاني بل هي لأي مسلمين في أي جيش في العالم. فقد قالوا في مقدمتها ان"السؤال يعرض قضية شديدة التعقيد و موقفا بالغ الحساسية يواجهه اخواننا العسكريون المسلمون في الجيش الأمريكي و في غيره من الجيوش التي قد يوضعون فيها في ظروف مشابهة"و هذا يعني أن أصحاب الفتوي يتجرأون في فتواهم و يريدون ان يكون رأيهم هذا هو المرجعية للمسلمين في جيوش العالم، و ليس فقط في أمريكا و هذا الرأي لا هو دين و لا هو سياسة. فلم يحدث أن صدرت فتوي بهذا الشكل و لم يحدث أن صدر رأي لأي سياسي في الدنيا بهذا التبسيط. فهذا الرأي لا هو فقه موازنات، و لا هو فقة أولويات.
5 -اعتبرت الفتوي الولاء للدولة الأمريكية مقدم علي أي اعتبار. و مجرد احتمال الشك في هذا الولاء هو الخطر الماحق الذي من أجله أجاز الموقعون علي الفتوي مشاركة المسلمين في ذبح اخوانهم المسلمين الأفغان و غيرهم فيما بعد. و هذا الرأي غريب، لأن ولاء المسلم للاسلام فهو المعتقد و هو الوطن، وان لم يستطع المسلم أن يعبد ربه و يقيم الدين في بلد ما وجب عليه ان يتركه لا أن يتورط في ما ينقض اسلامه. و وفق ما ذهبت اليه الفتوي فان الفلسطينيين في اسرائيل مطالبين بالمشاركة في جيش شارون لمحاربة الارهابيين الذين يروعون اليهود في الاراضي المحتلة حتي لا يشك في ولائهم للدولة العبرية التي يقيمون فيها. و أيضا يباح للمسلمين في أي جيش أن يخلصوا في ذبح المسلمين حتي يرضي عنه حكام البلاد التي يقيمون فيها و كأنهم مرتزقة لا يحكمهم دين و عقيدة.
6 -لم ير الذين أصدروا هذه الفتوي الضرر الأكبر الذي أصاب الأمة و هو المذبحة الصليبية المنصوبة للمسلمين في 60 دولة حسب تصريحات المسؤلين الأمريكيين أنفسهم و راحوا يزعمون أنهم يريدون حماية الأقلية المسلمة في أمريكا من احتمال تعرضهم للمضايقات و الشك في ولائهم. أي تجاهل الكارثة الحادثة و التركيز علي احتمال ربما لا يحدث. و هو لن يحدث بالفعل لأن حرص الحكومة الأمريكية علي المسلمين داخل أمريكا و احتوائهم هدف استراتيجي لضمان عدم تحولهم الي خصوم داخل القلعة الحصينة.
و من فقه الموازنات دفع الضرر الاكبر الواقع فعلا علي الأمة كلها و هو العدوان الصليبي بأسلحة الدمار الفتاكة و السعي للتصدي له، لا تبريره و محاولة تأصيله و تجميل صورة التحالف الارهابي الدولي باظهار مشروعيته و وصفه بأنه يطبق حد الحرابة علي الارهابيين. و هذا الخطر الداهم له الأولوية عن ابعاد شبهة الشك في ولاء الاقلية المسلمة الامريكية التي استند لهاالموقعون علي الفتوي.
7 -بالتأكيد من حق المسلمين في أمريكا أن يجتهدوا و يتخذوا ما يرونه صائبا متناسبا مع اسلامهم و الواقع الذي يعيشونه. ولكن ليس من المعقول أن يتصدي أشخاص لا يعيشون هناك للفتوي في مجتمع مغاير تماما. فالقوانين الأمريكية تعطي الحق لأي جندي عدم المشاركة في قتال يتنافي مع ضميره و معتقده و سبق لرموز مثل محمد علي كلاي و أخرين و حتي كلينتون رفض المشاركة في حرب فيتنام. و ان لم تشعر الحكومة الامريكية بمقاومة المسلمين و رفضهم للحرب فما هو الدور الذي سيقوم به المسلمون هناك لكي يرتبطوا بأمتهم الاسلامية.
ان لم يشعر المسلمون بوقوف اخوانهم الأمريكيين ضد الحرب التي يحركها الصهاينة لقتل المسلمين فما هي الفائدة منهم، و ما هو المنتظر منهم ان لم يتحركوا لوقف الكارثة الحالية.
8 -اصحاب الفتوي بدوا و كأنهم يفضلون المسلم الأمريكي علي المسلم الأفغاني. فقد اظهروا انزعاجهم البالغ لما يمكن ان يؤذي المسلم الأمريكي و لم يبالوا بدم المسلم الأفغاني بل وأيدوا مشاركة المسلم الأمريكي في اراقة دم الأفغاني. و هذا التمييز العنصري ليس من الاسلام في شيء و هو يسيء لهم كرموز لها احترامها في ساحة الفكر الاسلامي. فرب أشعث أغبر يعيش في جبال أفغانستان لا يجد قوت يومه أفضل و أحب الي الله من المسلم المنعم الذي يحيا في رخاء في أغني دولة في العالم.
بالتأكيد هذه الفتوي طعنة للأمة الاسلامية التي أجمعت لأول مرة منذ عقود علي شيء واحد و هو التصدي للحرب الصليبية، و بالتأكيد هذه الفتوي طعنة في ظهر الشعب الأفغاني المجاهد الذي تتساقط عليه القنابل بالليل و النهار.
نتمني أن يتراجع الاساتذة الذين وقعوا علي هذه الفتوي المسمومة كما وصفها الدكتور محمد عباس بدون كبر و استعلاء، فالحق أحق أن يتبع. و دماء المسلمين توجب عليهم أن يعترفوا بالخطأ في اجتهادهم، و اعترافهم لا يقلل من قدرهم و انما يزيدهم مكانة في قلوبنا.
[بقلم: عامر عبد المنعم]