ولا ريب أنه لا تأويل لهؤلاء العسكريين مقبول، ولا عذر لهم في مقاتلة المسلمين، ولا سيما مع تهافت أدلة الاتهام المدجلة، وإن المنصف ليدرك أي الفريقين ـ إذًا ـ هو الذي يقاتل عصبية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حمل علينا السلاح فليس منا" [صحيح البخاري": (7077،7071) ] ."
قال الحافظ العسقلاني:" (فليس منا) أي: ليس على طريقتنا، أو ليس متبعًا لطريقتنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه، لإرادة قتاله أو قتله ونظيره".
قال:"وهذا في حق من لا يستحل ذلك، فأما من يستحله، فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه، لا مجرد حمل السلاح، والأولى عند كثير من السلف: إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر" [فتح الباري": (13/ 27) ] .."
فهذا الحديث يدل على أن حمل السلاح على المسلم حرام في حد ذاته، وإن لم يكن به قتل ولا قتال، وأن نية القتال هي في نفسها إثم، قال الإمام النووي:" (إن المقتول في النار لأنه أراد قتل صاحبه) فيه دلالة المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور، أن من نوى المعصية وأصر على النية يكون آثمًا، وإن لم يفعلها ولا تكلم" ["شرح النووي": (18/ 17) ] .
وفي الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" [رواه البخاري: (7077) ] .
وفيه:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" [رواه البخاري: (7076) ] .
قال الحافظ في الفتح:"وجملة الأقوال فيه ثمانية، ووقفت على تاسع، وهو أن المراد ستر الحق، والكفر لغة: الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه. وعاشر: وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر، لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جَرَهُ شؤمُ ذلك إلى أشد منها، فيُخشى أن لا يُختم له بخاتمة الإسلام" ["الفتح": (13/ 30) ] .
وبعد .. فهذه الأدلة قاضية على وجه القطع واليقين بما يلي:
1ـ حرمة مظاهرة المشركين على المسلمين، وكذا المعاونة، والتأييد على ما يضر بالإسلام وأهله.
2ـ حرمة الانخراط في جيوش المشركين، وإن لم يكونوا في قتال مع المسلمين، لوجوه مذكورة فيما سبق.
3ـ حرمة الانضواء تحت راية عمية، تقاتل عصبية، لهوى أو لدنيا، حتى وإن كانت هذه الراية العمية لطائفة مسلمة.
4ـ حرمة مباشرة القتال أو القتل ونحوه، إذا ما أكره المسلم على الحضور عند التقاء الصفين.
5ـ حرمة الإقامة في بلاد الشرك، ما لم تكن ضرورة ملجئة، أو حاجة ملحة، أو مصلحة مرجوة، أو إكراه، والمقيم يشترط فيه أن يكون مظهرًا لدينه، آمنًا من الفتنة، غير معين لأهل الشرك ولا مظاهرًا لهم على مسلم، ولا راضيًا بالكفر وأهله، فإن فاته شيء من هذه الشروط، فالهجرة عليه واجبة إن قدر، والعاجز عن الهجرة معذور مسامح، إلا أن يكون غير متمكن من إظهار دينه فهو آثم، ولا نقول بكفر من تركها لمجرد الترك، إلا أن يتلبس بنوع آخر من الكفر، مما ذكرناه في الشروط، أو غيره، والمرء حسيب نفسه.
ختامًا أقول: لو أن بلادنا كانت للناس ملاذًا آمنًا، وموئلًا كافيًا، ومنزلًا كريمًا .. ما اضطر كثير منهم لهجرها، وإيثار هذه البلاد عليها، وإلى الله المشتكى.
وبعد، فإن أكن أصبت، فمن الله وحده وله الفضل والمنة، وإن تكن الأخرى، فإني متراجع عنها، معتذر منها، وحسبي أني أردت وضع الحق في نصابه، مع كل الاحترام لذوي الفضل الموقعين على الفتوى، وما حيلتنا، وقد أبى الله تعالى الكمال لغير كتابه الحكيم، وأبى العصمة لغير رسوله الكريم؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[بقلم: محمد مصطفى المقرئ]
* ينشر منبر التوحيد والجهاد هذه المقالة، مع انكار ما فيها من ألفاظ تبجيل للقرضاوي واضرابه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم عز وجل) رواه الإمام أحمد.