فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 137

فكيف إذا كانت الراية العمية لطائفة كافرة؟ ثم كيف إذا كانت هذه الطائفة الكافرة هي أكثر الطوائف سعيًا بالفساد في الأرض، وأكثرها ظلمًا للعباد، وأشدها طغيانًا وبغيًا؟ بل كيف إذا كانت هذه الطائفة معروفة بعدائها للمسلمين، وتحيزها لعدوهم، مستذلة لدولهم، ناهبة لثرواتهم؟ وقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة: من الآية2) ، ومن هذا ما ورد في الشرع من النهي عن القتال في الفتنة، ذلك أنه قتال لا يتبين فيه المحق من المبطل، ولا المظلوم من الظالم، روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"تكون فتن، النائم فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها خير من المجري، قتلاها كلها في النار"قلت: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال:"ذلك أيام الهرج"قلت: وما أيام الهرج؟ قال:"حين لا يأمن الرجل جليسه!"قلت: فما تأمرني؟ قال: كف يدك، ولسانك، وادخل دارك ..."الحديث ["مجمع الزوائد": (7/ 302) ، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات] ."

فالفتنة المشار إليها في هذا الحديث: قتال آثم بين الناس على تعدد فئاتهم،"قتلاها كلها في النار"، وخير الناس فيها النائم عنها، ثم كل من يتعلق بسبب فإنه يضرب بسهم من الإثم قليل أو كثير، على حسب همته في جمع الحطب لها، ونفخه في نيرانها.

ومما ورد في وصف التغير والتناكر الذي يصيب الناس في الفتنة ـ وهو أشبه ما يكون بما نعالجه هنا ـ قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله عز وجل لم يُحلَ في الفتنة شيئًا حرمه قبل ذلك، ما بال أحدكم يأتي أخاه، فيسلم عليه، ثم يجيء بعد ذلك فيقتله!" ["مجمع الزوائد": (7/ 298) ، وقال: رواه الطبراني] .

ووصف ابن عمر حال الناس في الفتنة، فقال:"في الفتنة لا ترون القتل شيئًا" ["مجمع الزوائد": (7/ 293) ، وقال رواه أحمد] .

فالفتنة هنا تصوغ الناس صياغة تجعلهم يألفون معها القتل، فيقدمون عليه بلا مبالاة، حتى كأنه ليس بشيء يثير الاستنكار! وهو ما أجازته الفتوى من أسف.

وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسباب والدوافع التي تغري الداخلين في هذه الفتن، فقال:"إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام خلاقهم (الخلاق: النصيب الوافر من الخير) ، ودينهم، بعرض من الدنيا" ["مجمع الزوائد": (7/ 308) ، وقال: رواه أحمد والطبراني] .

والفتنة تجعل كثيرًا من الناس يضحون بسجلات ماضيهم المتدين الناصعة، فيقدمونها على مذبح الشهوات الدنيوية والأغراض الدنية، ذلك حين تزل قدم بعد ثبوتها، وتؤثر المناصب والمطامع على ما عند الله، ويقدم رضا المستكبرين على رضا رب العالمين، وما رضا المستكبرين سوى السلطة والنفوذ والبغي في الأرض، وهو عند الأتباع الصغار: الثمن المدفوع لهم نظير ما يبذلونه ـ في سبيل التمكين للسادة ـ من إرهاب وقتل وتدمير! قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (النساء:76) .

ما هو المخرج عند وقوع قتال الفتنة، أو أي قتال ممنوع منه شرعًا؟

هذا تساؤل تلح به الضمائر الحية، ويهيجه في النفس وازع الإيمان، فكم من مؤمن يجد نفسه متورطًا في قتال محرم، أو مطالبًا بالمشاركة فيه، إما إكراهًا وإما إرهابًا، والشارع الحكيم لم يدع هذا السؤال معلقًا بغير إجابة، كما هو منهاجه في شئون العباد كلها، ففي السنة المطهرة ما يهدي إلى مخرج بل مخارج مشروعة، تعفي المسلم من التورط في سفك الدماء بغير حق، وإليك بيانها:

1ـ الأمر بالابتعاد عن معترك القتال، والاختفاء عن الأنظار مهما أمكن، كأن يلزم الإنسان بيته، ويغلق عليه داره، فقد جاء في بعض الأحاديث ـ بصدد الابتعاد عن الفتنة ـ:"ادخلوا بيوتكم، وأخملوا ذكركم ..." ["مجمع الزوائد": (7/ 303) ، وقال: رواه الطبراني] .

2ـ الانشغال بالأعمال الخاصة، وانصراف المرء إلى شأن نفسه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم/"فإذا نزلت ـ أي: الفتنة ـ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ..." ["مستدرك الحاكم": (4/ 440ـ441) ، قال الذهبي: قلت: صحيح] .

3ـ ومنها ما جاء في مسند أحمد عن صحابي من خثعم، قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يكون في هذه الأمة خمس فتن"ـ ثم يحدث هذا الصحابي رجلًا من الشام، فيقولـ:"فقد مضت أربع، وبقيت واحدة، وهي الصيلم (بمعنى الاستئصال) ، وهي فيكم يا أهل الشام، فإن استطعت أن تكون حجرًا فكنه، ولا تكن مع واحد من الفريقين، ألا فاتخذ نفقًا في الأرض! فقيل له: أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم!" ["المسند": (5/ 73) ] ."

تنبيه: أمره صلى الله عليه وسلم هنا المسلم أن لا يكون مع أحد الفريقين، هو فيما لو كان غير متبين الحق مع أيهما، وهو خلاف ما نحن فيه، ولكن المقصود بيان كيف يُترك القتال المحرم ويُبتعد عنه، إذا ما دعي المرء إليه أو طولب بالمشاركة فيه.

4ـ ومما يزجر عن المشاركة في القتال المحرم: التأمل في المآل البائس الوخيم والعاقبة السيئة الشنيعة، إذا ما كان القتال في غير سبيل الله، وكان لمقصد دنيوي، ففي الحديث الصحيح: "إذا اقتتلتم على الدنيا، فالقاتل والمقتول في النار" ["نيل الأوطار": (7/ 50) ] .

وماذا ينتظر هذا المجند في جيش المشركين، سوى الحفاظ على مكتسباته الدنيوية، وفي أحسن الحالات: اتقاء وتجنب ضرر موهوم أو مظنون يلحقه أو يلحق غيره من المسلمين؟

5ـ ومن أساليب تجنب سفك الدماء في الفتنة ـ ولا سيما إذا أجبر المسلم على حضور القتال ـ الأمر بإتلاف السلاح، حتى لا يكون صلاحه للاستعمال مثار إغراء للقتال به وإزهاق أنفس معصومة، فعن محمد بن مسلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا، فاعمد بسيفك على أعظم صخرة في الحرة، فاضربه بها حتى يتكسر، ثم اجلس في بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة، أو منية قاضية ..." ["مجمع الزوائد": (7/ 300ـ301) ، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات] .

وهذا مما يدل على تعظيم الشريعة لأمر الدماء، والحض على تجنب سفكها، ما لم يكن يقين قاطع، أو دليل ساطع.

خامسًا: العجز والإكراه وضوابط الإعذار بهما:

المسلم المقيم في بلاد الشرك بين أربع حالات:

الأولى: أن يقيم عندهم راغبًا مختارًا مريدًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، أو يعاونهم على المسلمين، فهذا لا نصيب له في الإسلام، قال تعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} (آل عمران: من الآية28) ، وقد تقدم ذكر أقوال المفسرين في الآية.

الثانية: أن يقيم عندهم لأجل مال أو ولد، وهو لا يظهر دينه مع قدرته على الهجرة، ولا يعينهم على المسلمين، ولا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، فهذا لا يكفر لمجرد الجلوس، ولكنه عاص بتركه الهجرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء:97) ، وقد تقدم كلام ابن كثير وما ذكره من حرمة الإقامة ـ في هذه الحالة ـ بالإجماع.

الثالثة: من كانت إقامته بينهم مستحبة، وصاحبها مجاهد في سبيل الله حتى يرجع، وذلك كمن أقام بينهم بقصد الدعوة إلى الله، أو لتعلم ما هو وسيلة لمرضاة الله وخذلا أعدائه. ويشترط في الذين تستحب لهم الإقامة بين الكفار: أن يكونوا قاصدين بإقامتهم إظهار دين الله والدعوة إليه، عارفين لدينهم بأدلته، متمسكين بعقيدتهم، مأمونًا عليهم ـ في ظاهر حالهم ـ من الوقوع في الفتنة.

وهذه الشروط المشار إليها لا أرى أن يُترك التقدير فيها للأفراد بحسب ما يرى كلٌ لنفسه، بل ينبغي أن يُرجع إلى أهل الحل والعقد، أو ولاة المسلمين إن وجدوا.

الرابعة: من لا حرج عليه في الإقامة بين ظهرانيهم، وهو نوعان:

1ـ من كانت إقامته لحاجة دنيوية ـ كتجارة أو علاج ـ وهو عارف لدينه بأدلته آمن من الفتنة، مظهر لدينه، قادر على التأثير فيهم دون التأثر بهم. وقد كان للتجار المسلمين تأثير عظيم على البلدان التي ارتحلوا إليها.

2ـ أن يقيم بينهم مستضعفًا، كالذين استثنوا من آية سورة النساء السابقة: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً، وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} (النساء:98) ، يقول ابن كثير: "لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق" ["تفسير القرآن العظيم": (2/ 343) ] .

وقد قال الله تعالى ـ تعقيبًا على هذه الآية ـ: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء:99)

قال الحافظ بن كثير في تفسير هاتين الآيتين:"هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) ، قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا."

وقوله تعالى: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [أي: يتجاوز من الله عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة"["تفسير القرآن العظيم": (2/ 823) ] ."

فلا عذر في ترك الهجرة إلى بلاد الإسلام إلا بالشروط المتقدمة، أو مع العجز المبين في هذه الآيات، التي أوردناها آنفًا.

ضوابط الإكراه في المسألة:

الإكراه عذر شرعي معتبر بشروطه التي بينها الأصوليون، فمتى وجد انتفى معه التكليف، ولم يؤاخذ المكلف بأفعاله، بل أفعاله وتصرفاته ـ عندئذ ـ موصومة بالبطلان، غير معتبرة شرعًا، إلا أن هذه القاعدة لا تنسحب على مجرد الخوف وتوقع الضرر، فثم حالات لا مجال للاعتذار فيها بمكروه يخشى وقوعه، بل والإكراه ذاته لا اعتبار له إذا ما كان على ما لا يتصور الإكراه فيه، اللهم إلا أن يكون إكراهًا ملجئًا تنتفي فيه إرادة المكلف بالكلية، ومن هذين النوعين الأخيرين مسألتان متعلقتان بموضوعنا هنا: الأولى: خشية الضرر الحاصل من قطع موالاة المشركين، والثانية: الإكراه على القتل.

1ـ الإكراه على موالاة المشركين.

وفيها مسألتان: (أحدهما:) أنه لا يتصور الإكراه على الموالاة القلبية الباطنة، إذ لا سلطان لأحد على قلب أحد، ولذلك حذر الله تعالى عباده من ميل قلوبهم إلى المشركين، لا سيما حال عملهم بالتقية، إذا ما أكرهوا على الكفر، فقال تعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران:28) .

(والأخرى:) توهم جواز موالاة المشركين لمجرد خوف أذاهم وتوقع الضر منهم.

وأصل هذه الشبهة: الخلط بين التقية بكتمان الدين، والتقية بإظهار الكفر، وثم فرق بينهما جلي، فكتمان الدين يكفي في الإعذار فيه مجرد خوف الضرر، أما إظهار الكفر: فلا بد فيه من تحقق الإكراه، لا مجرد الخوف والتوقع. ولهذا نهى الله تعالى عن موالاة أهل الكتاب، وبين أن موالاتهم ـ ولو مع الخوف ـ كفر، قال الله تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض، ٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم، ْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين، َ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم، ْ يَقُولُونَ: نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه، ِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (المائدة:51، 52) . فالله تعالى لم يجعل مجرد الخشية ـ من أن تكون الدائرة والغلبة للكافرين ـ عذرًا في موالاتهم، بل جعل من تولاهم ـ معتذرًا بذلك ـ منهم.

وإذا تبين لنا أن الإكراه ـ بشروطه المعتبرة ـ يبيح للمكره أن يظهر الكفر، فليعلم أن ذلك على سبيل الترخيص، ولا يقتضي ذلك وجوبَ أو استحبابَ الأخذِ بالرخصة، فإن الرخصة حكم استثنائي عارض ومؤقت، وهي إنما شرعت لسد الخلل، حينما يطرأ على المكلف ما يعرضه لفوات واحدة من الضرورات حال امتثاله للتكليف، فمتى زال الضرر لم تجز في حقه الرخصة، بل الواجب العمل على الخروج من حالة الضرورة متى قدر على ذلك، ثم إن الأولى والأكمل الأخذ بالعزيمة، ولو وصل الإكراه إلى حد القتل.

2ـ الإكراه على قتال المسلمين أو قتلهم.

قتال المسلمين وقتلهم حرام بالإجماع، لقول الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: من الآية151) ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الفرقان: من الآية68) ، وأكد على حرمة المسلم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29) ، يعني: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" [رواه البخاري: (6878) ، ومسلم: (1676) ، وأحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان] ، وفي لفظ لمسلم:"والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم"وذكره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا"ويشير إلى صدره ثلاث مرات"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" [رواه مسلم: (2564) ] .

وهذه الحرمة ثابتة حتى مع وجود عارض الإكراه، وقد تقدم أن المكره على حضور قتال محرم، لا يجوز له مباشرة القتال، بل الواجب عليه أن يمتنع من الحضور إن قدر، أو أن يفسد وسيلة القتل التي معه، أو غير ذلك مما تقدم ذكره على التفصيل، وقد شددت النصوص النبوية الصحيحة على هذا أيما تشديد، كما جاء في حديث أبي بكرة:"... فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الصفين أو ـ إحدى الفئتين ـ فيضربني رجل بسيفه، أو بسهمه، فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار" [رواه مسلم: (2887) ] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ففي هذا الحديث أنه نهى عن الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال، أو إفساد السلاح الذي يقاتل به، وقد دخل في ذلك المكره وغيره. ثم بين أن المكره إذا قتل ظلمًا كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى ـ في قصة ابني آدم ـ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (المائدة:29) ...".

إلى أن قال:"والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة، ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟! كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل، وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلًا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس."

فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القوَد على المكره والمكره جميعًا عند أكثر العلماء، كأحمد، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وفي الآخر يجب القود على المكره فقط، كقول أبي حنيفة ومحمد. وقيل: القَوَد على المكره المباشر، كما روي ذلك عن زفر. وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القوَد، ولم يوجبه" ["مجموع الفتاوى": (28/ 539ـ540) ] ."

وفي شرح حديث أبي بكرة المذكور قبل قليل، قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث رفع الإثم عن المكره على الحضور هناك، وأما القتل فلا يباح بالإكراه، بل يأثم المكره على المأمور به بالإجماع، وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع، قال أصحابنا: وكذا الإكراه على الزنا لا يرفع الإثم فيه، هذا إذا أكرهت المرأة حتى مكنت من نفسها، فأما إذا ربطت، ولم يمكنها مدافعته، فلا إثم والله أعلم" ["صحيح مسلم بشرح النووي": (18/ 16ـ17) ] .

وقال ابن رجب الحنبلي: "واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يبح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم، وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يُعتد به" ["جامع العلوم والحكم": (2/ 371) ] .

وقد جاء في نص الفتوى الموقع عليها من الأفاضل المذكورين: (ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين في مقاتلة المسلمين الآخرين، مصدره أن القتال يصعب ـ أو يستحيل ـ التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في ما حدث، وان الحديث النبوي الصحيح يقول: «اذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه» (رواه البخاري ومسلم) .

والواقع أن الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع ان ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة).

ولي على هذه الفقرة ملاحظات:

1ـ كيف أجازت الفتوى لهؤلاء العسكريين قتل من لا ذنب له بجريرة من له"ذنب"فَرَضًا؟ وهذا القسم الأخير عدد محصور مشاع، في كثير معصوم غير محصور!!

2ـ ما هي البينة الشرعية التي تدين المشار إليهم وتثبت عليهم ما اتهموا به؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" [حديث حسن، رواه البيهقي في"سننه": (10/ 252) ، وحسنه الحافظ في"الفتح": (5/ 283) ، وأصله في الصحيحين] .

قال الحافظ ابن رجب:"قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، قال: ومعنى قوله:"البينة على المدعي"يعني: يستحق بها ما ادعى، لأنها واجبة عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله:"اليمين على المدعى عليه"أي: يبرأ بها، لأنها واجبة عليه، يؤخذ بها على كل حال. أ. هـ" [جامع العلوم والحكم": (2/ 230) ] ."

3ـ جاء في نص الفتوى: (والواقع أن الحديث الشريف المذكور، يتناول الحالة التي ... إلخ) هذه الفقرة انطوت على خطأ فادح، إذ مفهوم المخالفة فيها يقتضي: أنه حيث لا خيار للمكره في قتال المسلم جاز له!! وقد تقدم بيان أنه لا عذر بالإكراه في قتال المسلمين.

4ـ وحيث زُعِم أن الحديث (لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه) ، كان الواجب أن يبين وجه ذلك، وأن تستقصى نصوص المسألة ـ كما هو الواجب على المجتهد عند النظر والاستدلال ـ أو أن تورد ـ على الأقل ـ النصوص المتناولة لما"لم يتناوله"هذا النص، وأن يبين حكم هذه الحالة التي (يكون المسلم فيها ... إلخ) ، ولا يصح أن يطلق هذا القول هكذا على عواهنه، إذ لا يمكن أن تأتي الشريعة بجواز الانخراط في جيوش المشركين، فكلامهم موهم بأن أصل الانخراط جائز!!

5ـ أما مسألة الولاء الذي لا ينبغي أن يفعل ما يؤدي إلى التشكيك فيه، فهي الطامة، والقارعة، والحاقة، والصاخة، أن يحرص المسلم على إثبات ولائه للذين كفروا، وقد تقدم شيء من الأدلة غير قليل، في بيان حرمة موالاة الكافرين، وإن كان ما أوردته قليلًا بالنسبة لما اكتظت به المرجعيات الإسلامية في هذا الباب، ولكني أقول: لعل الشيوخ الأفاضل والأساتذة الكرام يقصدون إلى معنى آخر، غير أن عبارتهم ـ لا شك ـ موهمة.

6ـ إذا كان بإمكان العسكري المسلم في جيوش المشركين تقديم استقالته، وبإمكانه: طلب العمل في مجال آخر غير القتال، بل بإمكانه الاستفادة بالقانون الذي يمنحه حق الامتناع عن دخول المعارك التي تصادم معتقداته وديانته (وكل هذا ذكره الأستاذ هويدي في مقاله) فكيف يُعد هذا العسكريُ ـ مع ذلك ـ مُكرَهًا أو مضطرًا؟!

أما الحديث المشار إليه، والمذكور في هذه الفقرة السابقة المنقولة عن الفتوى، فكلام أئمتنا فيه كما يلي:

جاء في"فتح الباري":"وقد أخرج البزار في حديث"القاتل والمقتول في النار"زيادة تبين المراد، وهي:"إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار"، ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ: لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيما قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار".

قال القرطبي:

"فبين هذا الحديث: أن القتال إذا كان على جهل، من طلب دنيا، أو اتباع هوى، فهو الذي أريد بقوله:"القاتل والمقتول في النار" ["الفتح": (13/ 37ـ38) ] ."

قال الإمام النووي:

"وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار، فمحمول على من لا تأويل له، ويكون قتالهما عصبية ونحوها" ["مسلم بشرح النووي": (18/ 15) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت