قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها:"هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا .. ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا) ، قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا .."
وقوله تعالى: (فأولئك عسى الله أن يغفو عنهم) أي: يتجاوز من الله عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة" ["تفسير القرآن العظيم": (1/ 823) ] ."
فمن كان مقيمًا في بلاد الشرك، وفاته شرط من الشروط المذكورة آنفًا، ثم لم يهاجر مع قدرته على ذلك كان آثمًا ولا ريب، فإذا أدى ترك الهجرة إلى الفتنة في الدين والانسلاخ من الملة، كان تركها عندئذ كفرًا، وذلك يدخل فيه ما لو ظاهر المشركين وعاونهم على قتال المسلمين.
وعلى هذه الحالات التي تجب فيها الهجرة ويحرم تركها تحمل الأحاديث التي تنهى عن إقامة المسلم في دار الشرك، كقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"قيل: يا رسول الله، ولم؟ قال:"لا تراءى ناراهما" [رواه أبو داود في"سننه": (3/ 122) برقم (2787) ، والترمذي (4/ 155) مرفوعًا، وصححه البخاري مرسلًا، وكذا أبو داود والترمذي والدار قطني إلى قيس بن أبي حازم (وانظر نيل الأوطار"(8/ 27ـ 28) ، وانظر"جامع الأصول": (4/ 445) ] ."
وكقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم، أو جامعهم، فهو مثلهم" [رواه الترمذي: (4/ 156) برقم (1605) ، وانظر"جامع الأصول" (6/ 667) "قال الذهبي: إسناده مظلم، لا تقوم بمثله حجة" ("نيل الأوطار"للشوكاني:(8/ 27ـ28) ] .
وكقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" [رواه أحمد في"المسند" (4/ 99) ، وأبو داود في"السنن" (3/ 7) برقم (2479) ، والدارمي في سننه (2/ 239) ، وقال الألباني: صحيح. وانظر"صحيح الجامع الصغير" (6/ 186) برقم (7346) ] .
وبهذا نخلص إلى لزوم شرط التمكن من إقامة واجبات الدين، وإلا وجبت الهجرة، كما يقول ابن قدامة ـ في بيان استحباب الهجرة في بعض الأحوال ـ: "ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة" ["المغني" لابن قدامة: (10/ 515) ] . فاشترط لعدم وجوبها: إمكان إقامة الواجب.
ولا ريب أن المشاركة مع جيوش المشركين في قتال المسلمين: ترك لواجب من أعظم الواجبات الشرعية، بل هو ترك لحق من أعظم حقوق الإخوة الدينية، وهو الموالاة التي هي من أهم مقتضيات"لا إله إلا الله محمد رسول الله".
قال ابن حزم:"من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه، وغير ذلك."
وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.
أما من كان محاربًا للمسلمين معينًا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر" ["المحلى"لابن حزم: (13/ 139ـ140) ] ."
وقال الشيخ حمد ابن عتيق ـ في بيان أقسام المسلمين المقيمين في دار الحرب ـ:"القسم الأول: أن يقيم عندهم رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين (كما هو دأب الكثيرين في هذه الآونة) ، أو يعاونهم على المسلمين بنفسه أو ماله أو لسانه: فهذا كافر عدو لله ولرسوله، لقوله تعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} (آل عمران: من الآية28) ، قال ابن جرير: قد برئ من الله وبرئ الله منه، لارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: من الآية51) ، وقال صلى الله عليه وسلم:"من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله" ..." ["الدفاع" لابن عتيق: (10ـ12) ] .
ولما عدَد الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأنواع التي يكفر بها المكلف، قال:"النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرون على عداوة التوحيد واتباع أهل الشرك، وهو يعتذر إن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضًا كافر، فإنه لو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم، فعل. وموافقته لهم مع الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله، أكبر من ذلك بكثير، فهذا أيضًا كافر، وهو ممن قال الله فيهم: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَامَنُوكُمْ وَيَامَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} (النساء:91) ."
ثم إن ما يُرجى من مصالح شرعية من وراء إقامة المسلم في بلاد الكفر، كرجاء ظهور الإسلام، أو إفادة المسلمين بعلم أو نحوه، أو لتحسس أخبار أعدائهم، أو لتكثير المسلمين المقيمين في بلاد الشرك ومعونتهم .. إلى غير ذلك من مصالح .. لا ريب أن فواتها لا وجه لمقارنته بمضرة قتال المسلم لأخيه المسلم، وإعانة الكافر عليه، فهذه الأخيرة لا شك أنها أعظم الشرين، وأعم الضررين، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ثم إن دفع الضرر المزعوم هنا أو المتوهم، مما سمته الفتوى (أذى ماديًا أو روحيًا) لا يكون بانتهاك المحرم، ولا سيما مع إمكان دفعه بالمشروع، والمشروع: ترك الدار التي لا يأمن المرء فيها من الفتنة في دينه، كما يقول الشيخ سفر الحوالي ـ حفظه الله ـ:"وإذا تاب المسلمون المقيمون في بلاد الغرب من المعاصي ـ وأعظمها نسيان الولاء والبراء، والذوبان في مجتمع الكفر والفسق ـ رفع الله عنهم البلاء العنصري، كما أن كل من سافر أو أقام لغير حاجة عارضة، أو ضرورة قاهرة، عاصٍ حتى يتوب، بأن يعود ويفارق دار الكفر، إلا من كان قصده الدعوة ومراده الهجرة" [ذكره في بيانه القيم المنشور على موقع"طريق الإسلام"15/ 10] .
ثانيًا: حكم الدخول في جيوش المشركين حتى وإن لم تكن في قتال مع المسلمين:
لا يجوز الدخول في جيوش المشركين ابتداء، حتى وإن فرض أنها لن تقاتل المسلمين، وذلك من وجوه:
(الأول:) حرمة موالاة المشركين، باطنًا وظاهرًا، ومن الموالاة الظاهرة الدخول في جيوشهم، ذلك أن عمل الجيوش الأساسي، هو تقوية ونصرة الدول التي تنتمي إليها، وهذه من أبلغ صور الموالاة الظاهرة التي حرمها الشارع تحريمًا قطعيًا.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة:51) .
قال ابن حزم: "صح أن قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [إنما هو على ظاهره: بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين"["المحلى": (13/ 35) ] .
وقال ابن تيمية: "أخبر الله في هذه الآية: أن متوليهم هو منهم، وقال سبحانه: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (المائدة:81) فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أوليا ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. فالقرآن يصدق بعضه بعضًا" ["الإيمان" لابن تيمية: (14) ] .
قال الشيخ عبد الرحمن البراك ـ حفظه الله ـ:"وعد العلماء مظاهرة الكفار على المسلمين من نواقض الإسلام لهذه الآية" [بيان الشيخ ناصر العمرالمنشور على موقع"الإسلام اليوم"] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة:57) ، وقال تعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران:28) .
قال ابن جرير في تفسيرها:
"من اتخذ الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا يواليهم على دينهم ويظاهرهم على المسلمين فليس من الله في شيء، أي: قد برئ من الله وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. (إلا أن تتقوا منهم تقاة) أي: إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل" ["تفسير الطبري": (3/ 228) ] .
الوجه الثاني: حرمة تكثير سواد المشركين، لقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا[ (النساء:97ـ99) .
فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم فيرمي به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} (النساء: من الآية97) " [رواه البخاري في"صحيحه"برقم: (4596) ] ."
قال الحافظ ـ في"الفتح"ـ:"عن ابن عباس عند ابن المنذر والطبري،"كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يخفون الإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ (العنكبوت: من الآية10) ، فكتب إليهم المسلمون بذلك، فحزنوا، فنزلت] ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا (النحل: من الآية110) الآية، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا فلحقوهم، فنجا من نجا وقتل من قتل" ["فتح الباري"للحافظ العسقلاني: (8/ 112) ] ."
وتعليقًا على هذه القصة، قال ابن حجر ـ أيضًا ـ: "وفي هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأي الخوارج، لأنه بالغ في النهي عن قتال المسلمين وتكثير سواد من يقاتلهم. وغرض عكرمة: أن الله ذم من كثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، قال فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش، وإن كنت لا تريد موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله، وقوله (فيم كنتم) سؤال توبيخ وتقريع، واستنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية" ["فتح الباري": (8/ 113) ] .
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه. فقلنا: يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله. فقال:"العَجَبُ إنَ ناسًا من أمتي يَؤُمونَ بالبيت برجل من قريش. قد لجأ بالبيت. حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم"فقلنا: يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس. قال:"نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل. يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى. يبعثهم الله على نياتهم" ["صحيح مسلم"برقم (2884) ] ."
قال الإمام النووي:"أما (المستبصر) فهو المستبين لذلك القاصد له عمدًا، وأما (المجبور) فهو المكره، يقال: أجبرته فهو مجبر، هذه اللغة المشهورة .. ..".
إلى أن قال: " وفي هذا الحديث من الفقه: التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين، لئلا يناله ما يعاقبون به، وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا" ["صحيح مسلم بشرح النووي": (17/ 10ـ11) ] .
وفي الحيث الصحيح:"لا تساكنوا المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا" [رواه الحاكم في"المستدرك": (2/ 141) ، وقال صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي] .
الوجه الثالث: أن الإسلام أبطل عصبية الجاهلية التي تقيم ولاءها على أساس من الجنس أو العرق أو العشيرة، فهي لا تبالي برابطة الدين وأخوة الإيمان.
قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:22) .
قال العماد ابن كثير: "] لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [أي: لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين، كما قال تعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران:28) ..."["تفسير القرآن العظيم": (4/ 230) ] .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:23، 24) .
قال الحافظ ابن كثير ـ في تفسير هذه الآية ـ:"أمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم (إن استحبوا) أي اختاروا الكفر على الإيمان" [تفسير القرآن العظيم": (2/ 343) ] ."
فإن يكن الولاء للقبيلة أو الجنس أو غيره من الولاءات الدنيوية مقدمًا على ولاية الإيمان، فهو حمية الجاهلية التي ذم الله بها الكافرين، قال تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ[ (الفتح: من الآية26) .
وروى أبو داود في"السنن"عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قيل له: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟ قال:"لا"، قال:"ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل"، وقال خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم"، وقال:"مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردى في بئر فهو يجر بذنبه"، وقال:"من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"."
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ "، وغضب لذلك غضبًا شديدًا" ["مجموع الفتاوى": (28/ 328ـ329) ] .
وقد يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى أن المقصود من الموالاة المحرمة قاصر على صورته الأوضح، والتي هي الميل إلى اتباع المشركين في الدين، والحق أن الولاية المنهي عنها في هذه الآيات تشتمل على ولاية النصرة والتحالف، بل تنصب عليها.
يقول الأستاذ/سيد قطب رحمه الله:
"إن الولاية المنهي عنها هنا (يعني آية التوبة) ولاية التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدًا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين، إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم بحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله. يوضح ذلك قوله تعالى بشأن المسلمين الذين لم يهاجروا: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} (لأنفال: من الآية72) أي: ولاية التناصر والتعاون وليس ولاية الدين" [وانظر"في ظلال القرآن": (2/ 909، 910) ] .
كما أن في مخالطة المسلم المشركين إقرارًا لهم على كفرهم وفجورهم، وليس كل أحد متمكنًا من دعوتهم، قادرًا على إنكار ما هم عليه، مما يكفله لهم القانون، ويمنحهم الحماية لفعله، ويحصنهم فيه ضد إنكار المنكرين، بدعوى الحريات الشخصية، التي هي الانحلال والإباحية، وقد نهانا الله تعالى عن مخالطة أهل المنكرات، والمكث في أماكن المحرمات، كما قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[ (النساء:140) ، وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:68) ، والقاعدة عند أهل العلم: أنه"إذا لم يزُل المنكر فزُلْ أنت"، وفرق بين من يخالط القوم لأغراض دعوية، ومن يخالطهم على كل حال مجبرًا على ذلك، لا يسعه هجرهم عند مقارفتهم الحرام، أو مفارقتهم في غير أوقات دعوتهم، وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة:78، 79) .
روى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال:"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم"، قال يزيد: وأحسبه قال:"في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) "، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، فقال:"لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرًا"، والمقصود بيان أنه لا يجوز مخالطة القوم لغير غرض الأمر والنهي والدعوة إلى الله، إلا أن يكون مضطرًا عاجزًا عن الهجرة إلى دار الإسلام، كما قال تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء:98، 99) ، والله أعلم.
الوجه الرابع: لئلا يكون للكافر على المسلم سلطان، وقد قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء: من الآية141) ، وقول الله تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:139) ، قال القاسمي في التفسير:"فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة، أفاده أبو السعود" [محاسن التأويل": (4/ 235) ] . ومعلوم أن القوانين العسكرية تمنح القواد الحق في إلزام مرؤسيهم بشكل مطلق، وعلى نحو يكاد يكون الالتزام فيه بأوامرهم طاعةً عمياء!! وقد قال تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} (هود:113) ، قال الإمام القرطبي:" الركون حقيقته: الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به، وقال قتادة: معنى الآية: لا توادوهم ولا تطيعوهم، وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم" ["تفسير القرطبي": (9/ 108) ] ."
والمقصود بيان أن ولاية الكافر على المسلم عزة له، والأصل أن الكافر ذليل، فلا يجتمع إذلاله وإعزازه معًا إلا كان على خلاف المشروع.
ويدخل في هذا: تعظيم طريقة القوم وشعارهم، وتقديس قانونهم المخالف لقانون رب العالمين، ويدخل فيه كذلك رفع اليد عند الرأس أو الصدر بالتحية، طبقًا للأعراف العسكرية، وهو أمر محرم ولا ريب، ويخشى معه ما هو أعظم من الحرمة والذنب. [وانظر:"تحفة الإخوان"للشيخ حمود التويجري: (19) ] .
ثالثًا: حرمة الانضواء تحت راية عمية، تضرب في الأرض على غير هدى، ولا تبالي بحق قاتلت أم بباطل، ولا تؤمن مظالمها، وتخشى غوائلها.
وهذا أمر معلوم حرمته في الشرع، حتى لو كانت هذه الراية العمية لطائفة مسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل، فقتلته جاهلية" [رواه مسلم] .