فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 137

تعليقًا على مقررات المؤتمر الفقهي الأول لرابطة علماء الشريعة الذي عُقد في شهر نوفمبر الماضي في مدينة ديترويت.

للمسلمين في أمريكا الشمالية خاصة وللمسلمين في أقطار الأرض عامة

شراء البيوت عن طريق البنوك هو الربا بعينه

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإشارة إلى المؤتمر الفقهي الأول لرابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية المنعقد في مدينة ديترويت بولاية متشغان بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة 10 - 13 شعبان 1420 هجري الموافق 19 - 22 نوفمبر 1999م وإشارة إلى القرار (ثانيًا) المتعلق بحكم شراء المنازل عن طريق قروض ربوية من بنك ربوي والذي جاء فيه أنه ذهب أكثر المشاركين في المؤتمر إلى جواز التملك للمسكن عن طريق القروض الربوية إذا لم توجد البدائل الشرعية"للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة"وادعوا أنَّ الحاجة لا تندفع بالاستئجار لأنه لا يخلو من عقبات كثيرة. كما جاء فيه"وهناك من يرى المنع من استخدام طريقة التسهيلات البنكية (أي شراء البيوت عن طريق القروض الربوية) ولو تحققت الحاجة التي تُنزّل منزلة الضرورة، وأنه ينبغي الاكتفاء بالاستئجار كبديل عن التملك"ولا شك أنَّ الحاجة تندفع إذا تيسر الاستئجار وشرط الذين أجازوا شراء البيوت عن طريق القروض الربوية ما يلي: ـ

1 -أن يكون المسلم خارج ديار الإسلام.

2 -أن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية.

3 -أن يقتصر التملك على بيت للسكنى الذي يحتاج إليه، وليس للتجارة أو الاستثمار.

أقول ونحن نُرحب ببحث المشكلات والمسائل ولكن ليس بهذه الطريقة المتسرعة، وبما أنَّ صِياغة القرار غير دقيقة، فإيضاحًا للواقع وإبراءً للذمة وتحذيرًا للمسلمين لئلا يُخدعوا بهذا القرار فيقعوا في حُرمة التعامل بالربا عن غير علمٍ ولا تبين، اُبيِّنُ ما يلي: ـ

أنَّ الذين لم يُوافقوا على هذا القرار هم أكثر المشاركين المدعوِّين من خارج أمريكا من علماء الشريعة وأهل الاختصاص والفتوى ولا عِبرة بالكثرة إذا لم يكونوا من أهل الفتوى أو أهل الاختصاص الشرعي فقد حشدت إدارة المؤتمر أشخاصًا ليسوا من أهل الاختصاص في العلوم الشرعية بل لقد عدُّوا من بين العلماء والأئمة المشاركين الأستاذ بيتر سميت وهو غير مسلم ومنهم اقتصاديون وتربويون ... إلخ وعمدوا إلى عدم ذكر أسماء بعض المشاركين، فقد شطبوا اسمي من قائمة المشاركين مع أنني مدعو ومن أبرز غير الموافقين على هذا القرار من العلماء المشهورين ما يلي: ـ

1 -الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي أستاذ الفقه بكلية الشريعة في جامعة دمشق.

2 -الأستاذ الدكتور محمود الطحان أستاذ الحديث بكلية الشريعة بجامعة الكويت.

3 -الأستاذ الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الأزهر.

4 -الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار أستاذ الفقه بكلية الشريعة بجامعة الأزهر.

5 -الأستاذ الدكتور علي الصوا أستاذ الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الأردنية.

6 -الأستاذ الدكتور عتيق القاسمي أستاذ الفقه في الهند وعضو مجمع الفقه الإسلامي في الهند.

7 -الشيخ عبد الله سليم من الهند ومقيم في أمريكا.

8 -الشيخ موفق الغلاييني مدير المركز الإسلامي في مدينة آن أربار.

9 -الدكتور حمود الصلوي من اليمن.

10 -الدكتور شرف القضاة أستاذ جامعي في الأردن.

وغيرهم من العلماء الذي طلبوا من رئاسة المؤتمر ذكر أسمائهم في قائمة غير الموافقين على هذا القرار ولكن رئاسة المؤتمر رفضت طلبهم وبعد الإلحاح الشديد على هذا الطلب وعدت رئاسة المؤتمر بتلبية الطلب ثم نكثت بوعدها فلم تذكر أسماءهم وما أدري ما السبب؟

ثانيًا: ما معنى أن يُباح الربا للحاجة للمسلم الذي يُقيم خارج دار الإسلام ولا يُباح للمسلم الذي يُقيم في ديار الإسلام؟ يعني هل يُباح للمسلم أن يتفلتَ من أحكام الإسلام إذا خرج من ديار الإسلام؟ مع أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"اتقِ الله حيثما كنتَ".

ثالثًا: جاء نص الفقرة (ثالثًا) كما يلي:"قد تبيّن من البيانات التي قدمها بعض المختصين حول العقود المطبقة حاليًا لتملك المساكن أنَّ بعض هذه العقود تقترب كثيرًا من عقد بيع الأجل من حيث المضمون وأنه تُطبق هنا قاعدة ـ العِبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني وأنَّ تنقيحها ممكن بتغيير المصطلحات التقليدية المستخدمة فيها"انتهى نص الفقرة بالحرف الواحد.

وهذا أمرٌ عجيبٌ وخطيرٌ جدًا ولم يُذكر في مداولات المؤتمر بل هو من عند رئاسة المؤتمر وهو يُشبه قول الكفرة في الربا ـ كما حكاه القرآن الكريم عنهم ـ ذلك بأنهم قالوا: (إنما البيع مثل الربا وأحلَّ الله البيع وحرم الربا) إنَّ الصيغة في العقود لها قيمتها ولا أريد الدخول في التفاصيل إذِ الأمر معروف لدى أهل العلم فلا يجوز تمييع الأمور حتى يختلط الحلال بالحرام فالحلال بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ.

فبدلًا من العمل على إيجاد البدائل الشرعية ونُصح المسلمين بالثبات على التزام أحكام دينهم عمدت رئاسة المؤتمر إلى التحايل لإحلال الربا الذي حرمه الله بنصوص قاطعة واضحة في الكتاب والسنّة.

رابعًا: إنَّ سير المؤتمر والأجواء التي سادت جلسات المؤتمر غير سليمة وغير مألوفة في المؤتمرات التي تبحث في قضايا علمية مهمة وذلك لما يلي: ـ

1 -لأنَّ طريقة انتخاب رئيس المؤتمر ونائبه والمقرر ونائبه لم تكن ديمقراطية وإنما كانت أشبه بطريقة الانتخابات في البلاد المتخلفة أو الدكتاتورية.

2 -ولأنه لم يُؤخذ التصويت على القرارات في نهاية مناقشة كل بند من البنود المطروحة على المؤتمر.

3 -ولأنه لم تُشكل لجنّة علمية متخصصة لدراسة كل بند من البنود المطروحة وإنما نُوقشت القضايا المطروحة بشكل جماهيري عام، يُعطى لكلِّ شخصٍ ثلاث دقائق ليُعلق على الموضوع المطروح.

4 -ولأنه لم يكن بين أيدي أعضاء المؤتمر وثائق ولا إحصاءات ولا إثباتات تدل على الضرورة أو الحاجة العامة التي تُنزل منزلة الضرورة لشراء البيوت بالقروض الربوية.

5 -ولأنه لم يُدع كل المشاركين في المؤتمر للنظر في القرارات والتوصيات على المشاركين في المؤتمر لإقرارها أو تعديلها وذلك خلافًا لما هو معمول به في المؤتمرات وخلافًا لما هو مذكور في جدول المؤتمر في اليوم الرابع وهو يوم الاثنين 22/ 11/1999م الذي ينص على بند لجنّة الصياغة وبند قراءة القرارات والتوصيات على المشاركين في المؤتمر.

فقد سافر رئيس المؤتمر ومقرر المؤتمر في صبيحة اليوم ولم تُقرأ على المشاركين في المؤتمر أية قرارات.

مناشدة:

وفي الختام أُناشد إخوتنا المسلمين في أمريكا الشمالية وفي كلِّ مكان من العالم ألا ينخدعوا بقرار هذا المؤتمر الذي يُبيح للمسلمين التعامل بالربا المحرم لشراء المنازل المريحة بدون ذكر الأدلة الشرعية على ذلك. وأُوصيهم بأن يلتزموا حدود الله تعالى في عدم الوقوع في الحرام ألا وهو الربا المقطوع بحرمته في الكتاب والسنّة فقد قال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا اتقوا وذروا ما بقيَ من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) فهل ترضون أن تكونوا محاربين لله تعالى؟ بل إنَّ حُرمة الربا أشد من حُرمة الزنا فقد روى الإمام أحمد والطبراني في معجمه الكبير ـ رجال أحمد رجال الصحيح ـ عن عبد الله بن حنظلة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (درهمُ ربا يأكله الرجل ـ وهو يعلم ـ أشد من ست وثلاثين زنية) فهل ترضون أن تكونوا في الإثم أشد من الزُناة؟ أعيذكم بالله من ذلك.

هذا وإنَّ آكل الربا ومُوكله سواء في الإثم عند الله. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن رضي الله عنه أنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومُوكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) كما أُوصيهم أن يُحافظوا على أحكام دينهم وعلى هويتهم الإسلامية في بلاد غير المسلمين وأن يعتزوا بالتمسك بتعاليم دينهم الحنيف وأن يعملوا على إيجاد الحلول الإسلامية والبدائل الشرعية لشراء المساكن فإنَّ في هذا القرار تعدٍ على أحكام الله كما أنَّ فيه إعلانًا بإفلاس وانهزام النظام الاقتصادي الإسلامي في إيجاد الحلول لمشكلات المسلمين الاقتصادية واللجوء إلى النظام الرأسمالي لحلِّ مشكلات المسلمين.

وأخيرًا أقول لإخوتنا المسلمين المقيمين في أمريكا خاصة وفي بلاد غير المسلمين عامة، إنَّ الربا حرام بل هو من السبع الموبقات - أي المهلكات - وإنَّ حُرمته مقطوع بها ولا تُغيَّر هذه الحُرمة فتاوى بعض المتساهلين بالفتوى فدين الله واضح وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر ما اطمأنت إليه النّفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك النّاس وأفتوك) .

أسأل الله تعالى أن يُثبتَ المسلمين عامة والمسلمين في غير ديار الإسلام خاصة على الالتزام بأحكام دينهم وعدم الوقوع في الحرام إنه تعالى سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد ربِّ العالمين.

أ. د. محمود الطحان

أستاذ الحديث الشريف بكلية الشريعة ـ جامعة الكويت ـ

والمقيم حاليًا بتوليدو في أوهايو

عن جريدة الزيتونة العدد 207 بتاريخ 8 من شوال 1420

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت