بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد:
أخي الكريم ...
لقد سمعنا كلنا ما أفتى به الشيخ يوسف القرضاوي على جهاز التلفاز، وفي مسجد النصر بروتردام عندما جاء في الأسبوع الماضي وألقى محاضرة هناك، سمعنا كلنا فتواه بجواز المعاملة مع البنك الربوي من أجل شراء منزل، مع العلم بأن هذا البنك يقوم بأخذ فائدة مالية"ربا"نظير قيامه بهذه المعاملة.
وللأسف الشديد فإن بعض إخواننا قد اتبعوا هذه الفتوى، وبدأوا في تقديم الطلبات لكي يقوموا بشراء البيوت عن طريق الربا!!
وهذه الفتوى من الشيخ يوسف القرضاوي باطلة وقد جانبه الصواب في ذلك.
والدليل على بطلان هذه الفتوى قوله قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} .
وقوله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، يمحق الله الربا ويربي الصدقات ... } .
فما أفتى به القرضاوي لا يجوز للمسلم أن يأخذ به، لعدة أسباب:
أولًا: أن هذا مما أجمع المسلمون على كونه ربا، ولا يمكن القول بأن هذا ليس بربا باعتراف الشيخ نفسه، والآيات القرآنية السابقة تنطبق على هذه المسألة بوضوح.
ثانيًا: أن المسلم لا يجوز له أن يأكل الربا، سواء كان في بلده أو في بلاد الغرب، فالأحكام لا تتغير بناء على تغير البلاد، فالسرقة حرام حيث ما كنت، والزنا محرم أين ما حللت، لا فرق في تنفيذ الأحكام الشرعية التي تتعلق بالأبدان بين بلد وآخر.
ثالثًا: أن في الأخذ بهذه الفتوى تمييعًا للمعاملات الإسلامية، فالمسلم عليه أن يحافظ على الأخذ بالأحكام الشريعة في المعاملات المادية له، فطالما كان المسلمون يوضحون للباحثين الغربيين آثار الربا المدمرة للاقتصاد، وعلاقة الربا بالكوارث الاقتصادية، وكيف أن الربا سبب من أسباب التضخم الاقتصادي وعامل من عوامل الفقر المستقبلي، وعامل من عوامل الخراب الاجتماعي، وغير ذلك من آفات الربا، ثم يأتي بعد ذلك القرضاوي ليرمي بكل ذلك في مهب الريح، وليوقع الحرج في الدعوة إلى تحريم الربا!!
فقوله بجواز العقد الربوي لأجل شراء منزل، دعوة لإبطال كل ما سبق من دعوة إلى تحريم الربا، إذ كيف يستقيم أن تقول بأنه حرام وباطل، ثم تتعامل به؟!
وقد يقول قائل: إن الشيخ قد استدل بمذهب الإمام أبي حنيفة، ولذلك لا يجوز أن تنكر عليه، لأنه لم يبتدع هذا القول؟
والجواب عن ذلك:
أن فتوى الإمام أبي حنيفة لا تنبطق على الحالة التي أجازها القرضاوي.
وذلك لأن الإمام أبا حنيفة يقول بأن الربا جائز في دار الحرب، بأن يأخذ المسلم الربا من الحربي، لأن مال الحربي ودمه هدر، أما القرضاوي فإنه لا يرى أن هذه الديار دار حرب، وبالتالي فقوله هذا متناقض، وهو قد أخطأ في تنزيل الفتوى على الواقعة، فإن المسلمين يعيشون في هذه البلاد بعقد أمان قد دخلوا به إلى هذه الأراضي، فمعنى هذا أن دم الغربيين وأموالهم ليست هدرًا، ولا يمكننا استباحتها في هذه الحال.
هذا فضلًا عن أن رأي جماهير العلماء وكبار الفقهاء على خلاف فتوى الإمام أبي حنيفة، حتى من أئمة الحنفية أنفسهم.
أما الشيخ القرضاوي فليس حنفيًا، ثم هو مع ذلك ينتقي من مذهب الحنفية شواذ المسائل، فطريقة الشيخ القرضاوي هذه باطلة لا يجوز للمسلم استعمالها في الفتوى واتباع أحكام الدين، فإن القرضاوي ينتقي الرخص ويتتبعها، وهذا محرم بإجماع المسلمين، فإن المتتبع لرخص العلماء وزلاتهم قريب من المروق عن الدين، وقديمًا قال العلماء: من تتبع الرخص اجتمع فيه الشر كله.
ثم هل ترضى يا أخي المسلم أن تطعم أهلك من الربا، أو تسكنهم في بيت استفدته من الربا؟!
وقد استدل القرضاوي في فتواه هذه بالحاجة، وذكر أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة!
وهذا استدلال أقل ما يقال فيه إنه باطل وتلاعب بالقواعد والأدلة.
فإنه إن كان يرى أن إباحة الربا في هذه المسألة مبني على الأخذ بهذه القاعدة، فإنه لا فرق في ذلك بين دار الغرب وبين بلاد الإسلام! بل الحاجة هناك أشد، والظروف المادية للناس هناك أصعب.
ثم إن القاعدة الفقهية تنص على أن الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة يجب أن تكون عامة وقطعية، وهنا ليست الحاجة عامة، بل خاصة ببعض الناس الذين يريدون أن يتوسعوا في السكن، وبدل أن يسكن بالإيجار، يسكن بالملك، فأين عموم الحاجة للمسلمين هنا، وليست قطعية، فإنه لا يجب على الناس أن يسكنوا في بيوت مملوكة لهم، وإلا قلنا ببطلان عقد الإيجار !
وأيضًا فإن في دفع الإيجار لا يوجد أي حرج، ولا مشقة، غاية الأمر أنك تريد أن توفر المال، وهذا من الترف وليس من الضرورة التي نص عليها العلماء، فالضرورة هي ما أدى إلى هلاك النفس أو ما أدى إلى تلف عضو من أعضاء الجسد.
وهذه الفتوى لو أخذ الإنسان بها، فإنها تشمل أيضًا شراءه للسيارة وغيرها من الأشياء التي يحتاجها، والتي غالبها مما لا يستغنى عنه خصوصًا في ديار الغرب، فهل يقول القرضاوي بذلك ويبيح للمسلم أن يدخلَ في لعنة الله التي حلت على آكل الربا وشاهده.
وختامًا أقول: إن الأخذ بفتوى القرضاوي هذه حرام، والآخذ بها آثم، ولا عذر له في أكل الربا أبدًا، ولا ينجيه أمام الله أن يقول: خذها وضعها في رقبة القرضاوي، لأن القرضاوي غير معصوم من الخطأ ولا معصوم من الضلال والانحراف.
ونصيحة عامة لكل مسلم أن لا تأخذ فتواك من الشيخ القرضاوي لأنه قد عرف بالتساهل الشديد المذموم على لسان العلماء، وقد نهى علماء الأمة الناس عن اتباع المتساهل والمترخص، فإنهم على خطر عظيم.
نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الوقوع في المحرمات ظاهرًا وباطنًا
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين
[كتبها: جلال علي عامر 26 - 5 - 1999م]