فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 137

[الكاتب: محمد مصطفى المقرئ]

الحمد لله الذي أمرنا بالتوحد والائتلاف، ونهانا عن التنازع والاختلاف، سيما عند النوازل والنكبات، وتداعي النوائب والملمات، فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال:46) ، والصلاة والسلام على السراج المنير الهادي، الذي اجتمعت به المشارب من كل سهل ووادي، فما تركهم إلا وفيهم ما يعصمهم من كل فتنة وتدافع، ويهديهم إلى الحق عند كل تنازع ..

الحمد لله الذي أمرنا بالتوحد والائتلاف، ونهانا عن التنازع والاختلاف، سيما عند النوازل والنكبات، وتداعي النوائب والملمات، فقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال:46) ، والصلاة والسلام على السراج المنير الهادي، الذي اجتمعت به المشارب من كل سهل ووادي، فما تركهم إلا وفيهم ما يعصمهم من كل فتنة وتدافع، ويهديهم إلى الحق عند كل تنازع .. وبعد

فإن من أعظم سبل التلاقي والتآزر، وتقوية الروابط والأواصر، أن تكون صدورنا للنصح رحبة واسعة، لنُجمع الرأي أو يكون لنا في خلافاتنا سعة، ما لم نعارض نصًا أو نبطل أصلًا، والله من وراء قصد العباد، وهو الملهم للرشاد .. اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شرور أنفسنا .. ثم أما بعد .. ..

نُشِرَتْ على بعض مواقع"الإنترنت"فتوى منسوبة إلى الأفاضل: الشيخ يوسف القرضاوي ـ المستشار طارق البشري ـ الدكتور سليم العوا، وقد أثبتها الأستاذ فهمي هويدي في مقال له، منشور على موقع جريدة"الشعب"المصرية، وأشار فيه إلى أن الفتوى تحمل توقيع شخصين إضافيين، هما: الدكتور هيثم الخياط، وكاتب المقال نفسه.

والفتوى تجيز للمجندين المسلمين في جيوش المشركين أن يقاتلوا دولة إسلامية يُدَعَى أنها تأوي"إرهابيين"استباحوا زهق أنفس بريئة!!

وسواء صحَتْ نسبة هذه الفتوى للأفاضل المذكورين أو لم تصح، فإنه يلزم المبادرة إلى بيان موقعها من النظر والتأصيل الشرعيين، والتنويه على ما أراه تجاوزًا لأحكام شرعية مستقرة، لا مجال للاجتهاد فيها وجعلها محل خلاف، ولا سيما بعد نشر الفتوى وإذاعتها، وصيرورتها قيد العمل والتطبيق اعتقادًا بصحتها، سواء من جهة المستفتين، أو غيرهم من عموم المسلمين.

هذا وإن ظني بالموقعين عليها، أنهم من أسرع الناس أوبة إلى الحق، أحرصهم إن شاء الله على المراجعة والتصويب.

بين يدي السطور: ملاحظات على قوالب ومضامين الفتوى:

أولى: تجاوزت الفتوى أحكامًا هي كالأصول للأمر المسؤول عنه، ويأتي على رأس ما تُجُوِزَ ما يلي:

أ) حكم إقامة المسلم في ديار الشرك، وما يتعلق بحالات الجواز من ضوابط، كاشتراط القدرة على إظهار شعائر الإسلام، وحرمة مظاهرة المشركين على المسلمين.

ب) حكم الدخول في جيوش المشركين، والمشاركة فيها، حتى وإن لم تكن في قتال مع المسلمين.

ج) حرمة الانضواء تحت راية عمية، تضرب في الأرض على غير هدى، ولا تبالي بحق قاتلت أم بباطل، ولا تحصى مظالمها، ولا تؤمن غوائلها.

ثانية: استباحة دماء غير المقاتلين محظور شرعي متفق على حظره، غير أن المنع متوجه إلى قصد القتل دون ما يقع منه ضمنًا وتبعًا، هذا من جهة أصل الحظر أو الإباحة، ثم يأتي مجال الاجتهاد فيما وراء ذلك من تقدير المصالح والمفاسد والموازنة بينها، ولقد يترجح المنع من الفتيا بحكم مقرر بأصل مشروعيته، لما يتوقع من آثاره وعواقبه ومآلاته، ولكن هذا الترجيح لا يخرج المسألة عن كونها معدودة من موارد الاجتهاد.

ولسنا في حاجة إلى التنبيه على أن الكثير من مسائل الاجتهاد يمكن رفع الخلاف عنه لو حررت مواضع النزاع فيه.

ثالثة: وجاء في نص الفتوى ـ بعد بيانها حرمة إزهاق النفوس بغير حق، وهو ما نؤكده ـ: (فمن خالف النصوص الإسلامية الدالة على ذلك فهو عاص مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما يترتب عليها من فساد أو إفساد) .

وجاء فيها كذلك: (ولو أن الأحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة عُوملت بمقتضى نصوص الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة الوارد في سورة «المائدة» [الآيتان 33 و34] ) .

ولم تبين الفتوى من هي الجهة الشرعية التي يُخول لها إيقاع العقوبة المستحقة على مسلم فيما لو ثبت ارتكابه لما هو جرم في نظر الشارع الحكيم!!

وهل يجيز لنا الشارع أن يؤخذ بجريرة المُدان (إن ثبتت إدانته) ، غيره من الأبرياء ومن لا ذنب لهم؟ قال تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ} (الأنعام من الآية 164، والإسراء: من الآية 15، وفاطر من الآية 18، والزمر: من الآية7) وفي (سورة النجم) : {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (38، 39) .

ومن ذا الذي له الحق في إقامة حد الحرابة قادرًا على إنفاذه؟ وهل يملك مقيم الحد ـ إن وُجد بصفة شرعية ـ أن ينتصف للمدان فيما اعتُديَ عليه فيه؟

وإذا لم يكن للمسلمين جهة تنصرهم ظالمين (بأخذ الحق منهم) ، ومظلومين (بأخذ الحق لهم) ، فهل يجوز تسليم المسلم لمن يعبث به وبحرماته؟! وفي الحديث:"المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره" [رواه مسلم] .

رابعة: والفتوى وإن دعت إلى العمل على كشف الجناة الحقيقيين، إلا أنها رجعت ووجهت عباراتها كما لو أنه قد ثبت ارتكاب المسلمين لهذا الفعل، وأنه لا حرج من قتالهم وقتل أبريائهم مع عدم ثبوت إدانتهم، كما جاء فيها (ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين في مقاتلة المسلمين الآخرين، مصدره أن القتال يصعب ـ أو يستحيل ـ التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في ما حدث، وان الحديث النبوي الصحيح يقول: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه» (رواه البخاري ومسلم) ، وجاء في موضع آخر منها: (لا بأس ـ إن شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة) ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن استفتاء السائلين متجه إلى ما صارت جيوش التحالف بصدده من ضرب بلد مسلم (وربما بلاد) ، وهو الواقع المعاش، فإن الفتوى قد أجازت: قتال المسلم للمسلم بغير موجب شرعي.

خامسة: قفزت الفتوى فوق ما كان يجب بحثه من أحكام إكراه المسلم على قتال إخوانه المسلمين، بحسب ما جاء فيها من قولهم: (والواقع أن الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع أن ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة) ، وقولهم: (يتبين من ذلك أن الحرج الذي يسببه نص هذا الحديث الصحيح إما انه مرفوع، وإما انه مغتفر بجانب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الأميركي، بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام) ، وقولهم: (وإنما المسلم هنا جزء من كل لو خرج عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيرًا من الضرر الذي يترتب على مشاركته في القتال) .

فطفقت الفتوى في أواخرها تنقض ما قررته في أولها، من أن قتل نفس واحدة هو كقتل الناس جميعًا، إذ أباحت قتل أنفس مؤمنة غير محصية دفعًا لضرر مظنون يلحق القاتلين أو غيرهم.

سادسة: وجاء في الفتوى: (وأما الحرج الذي يسببه، كون القتال لا تمييز فيه فان المسلم يجب عليه أن ينوي بمساهمته في هذا القتال أن يحق الحق ويبطل الباطل، وان عمله يستهدف منع العدوان على الأبرياء أو الوصول إلى مرتكبيه لتقديمهم للعدالة، وليس له شأن بما سوى ذلك من أغراض للقتال قد تنشئ لديه حرجًا شخصيًا، لأنه لا يستطيع وحده منعها ولا تحقيقها، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والمقرر عند الفقهاء أن ما لا يستطيعه المسلم وغير ساقط عنه لا يكلف به) .

وهذه الصياغة هي نفسها صالحة لأن يحتج بها المتهمون (فَرَضًَا) بالهجمات، لأنه لا يمكنهم التمييز (ولا سيما مع ضعف إمكاناتهم وقلة حيلتهم) ، وأنهم إنما ينوون بها إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن عملهم يستهدف منع العدوان على الأبرياء، ولكن (في فلسطين والعراق وغيرها) ، أو الوصول إلى إضعاف المعتدين وردعهم، وهذا غاية ما أوتوا من وسيلة لرد العدوان،] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (الطلاق: من الآية7) .

سابعة: وتقرر الفتوى:(وإنما المسلم هنا جزء من كل لو خرج عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيرًا من الضرر الذي يترتب على مشاركته في القتال.

والقواعد الشرعية المرعية تقرر أنه «إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما» ، فإذا كان يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوشهم ضرر على جميع المسلمين في بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجًا أو أذى روحيًا ونفسيًا فان «الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام» كما تقرر القاعدة الفقهية الأخرى).

أقول: أيهما أعم؟ الضرر المتوقع لحوقه بمسلمي أفغانستان والذي يمكن أن يبلغ ما لحق مسلمي العراق أو يزيد؟ أم ضرر مسلمي أمريكا الذي قد لا يتجاوز أن يكون ضررًا معنويًا، ولو فر ض أن يكون ماديًا، لأمكن دفعه ولو بالفرار منه، وهو الواجب على كل مسلم، فيما لو لم يأمن على نفسه في بلاد الشرك؟

ثم إن قتل نفس مؤمنة واحدة هو كقتل الناس جميعًا، ومضرة هذا الأمر عظيمة، لا مجال للتهوين منها على أساس المقارنة بين خصوصيتها وعمومية الضرر المقابل، ويؤيده أن الصحيح من مذاهب الفقهاء: هو أن الجماعة تقتل بالواحد المقتول بغير حق.

ثامنة: وتمضي الفتوى: (فإذا كان يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوشهم ضرر على جميع المسلمين في بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجًا أو أذى روحيًا ونفسيًا فان «الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام» كما تقرر القاعدة الفقهية الأخرى) .

وهذا من حيث المضمون قد سبق تصويبه، ومن حيث الشكل: كيف يستقيم في مقام الفتوى بناؤها على افتراضات، وترك تقدير تلك الافتراضات للمستفتين، حيث جاء فيما نقلته عاليه: (فإذا كان يترتب على امتناع المسلمين .. إلخ) .

ويمكنك أن تلحظ ـ من السياق ـ دوافع الاستفتاء: من الشعور بالحرج والتأذي النفسي، ما يدل على حرمة المشاركة في هذا القتال، وكما في الحديث:"والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" [رواه أحمد: (4/ 228) ، والدارمي: (2/ 245ـ 246) ، وأبو يعلي: (1586) ، (1857) ، والطبراني في"الكبير": (22/ 403) ] ، وفي ثانٍ:"والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" [رواه مسلم: (2553) ، وأحمد: (4/ 182) ، والترمذي: (2389) ، وغيرهم] ، وفي ثالث:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [رواه الرزاق في"المصنف": (4984) ، وأحمد: (1/ 299) ، والترمذي: (2518) ، والنسائي: (8/ 327) ، وغيرهم، وصححه ابن حبان: (722) ] .

تاسعة: وجاء في الفتوى: (وإذا كان العسكريون المسلمون في الجيش الأميركي يستطيعون طلب الخدمة ـ مؤقتًا أثناء هذه المعارك الوشيكة ـ في الصفوف الخلفية للعمل في خدمات الإعاشة وما شابهها ـ كما ورد في السؤال ـ من دون أن يسبب لهم ذلك، ولا لغيرهم من المسلمين الأميركيين، حرجًا ولا ضررًا فإنه لا بأس عليهم من هذا الطلب. أما إذا كان هذا الطلب يسبب ضررًا أو حرجًا يتمثل في الشك في ولائهم، أو تعريضهم لسوء ظن، أو لاتهام باطل، أو لإيذائهم في مستقبلهم الوظيفي، أو للتشكيك في وطنيتهم، وأشباه ذلك، فانه لا يجوز عندئذ هذا الطلب) .

وفي هذا الاستدراك ما يدل على الحرج والتأثم من المشاركة في القتال القائم.

وفيه: إطلاق كلمة الولاء بما يشي بأنه لا حرج من أن يبذل المسلم ولاءه لغير دار الإسلام، ولراية غير راية التوحيد، وهو أخطر ما في الأمر كله، بل المسلم مطالب ـ بمقتضى هذا الكلام ونحوه الذي تكرر في الفتوى في غير موضع منها، أن يكون حريصًا كل الحرص على أن لا يكون موضع شك (مجرد شك) في هذا الولاء!!

أما المستقبل الوظيفي ـ الذي عدته الفتوى ضرورة تبيح المحظور ـ: فهو الصنم الذي استعبدت به أمتنا لصالح الطغاة، ولا موضع له من الإعذار.

عاشرة: القواعد الشرعية غير مطرد العمل بها في كل ما يندرج تحتها من مفردات، إذ إنها ليست كلية، ومن ثم لا تنطبق أحكامها على كل جزئية من جزئياتها، بل الأمر فيها ـ بالنسبة للفروع ـ هو على الأعم الأغلب، ولذلك يقول ابن نجيم:"لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية" [وانظر"القواعد الفقهية"للندوي: (292) ] .

والمقصود أنهم لا يعتمدون في الفتوى على واحدة من هذه القواعد دون استناد إلى دليل صريح فيما يفتون به، وكذلك لم يعرف عنهم أنهم يطرحون الدليل بالكلية اعتمادًا على قاعدة وحدها.

ولم أجد في الفتوى دليلًا على ما ذهبت إليه من جواز المشاركة في جيوش المشركين، سوى قاعدة"الضرر الأعلى يدفع بتحمل الضرر الأدنى"، وهي على كل غير منطبقة على ما أجازته، بل العكس هو الصحيح.

حادية عشر: وختمت الفتوى بما يلي: (والخلاصة انه لا بأس ـ إن شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة ضد من «يُظَنُّ» أنهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم، مع استصحاب النية الصحيحة على النحو الذي أوضحناه، دفعًا لأي شبهة قد تلحق بهم في ولائهم لأوطانهم، ومنعًا للضرر الغالب على الظن وقوعه، وإعمالا للقواعد الشرعية التي تنص على أن الضرورات تبيح المحظورات، وتوجب تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد، والله تعالى أعلم وأحكم) .

أ) فهي تجيز للعسكريين المسلمين المشاركة في معركة الظلم والعدوان ضد أفغانستان.

ب) وهي تجيز لهم القتل بالظِنة (ضد من"يُظن"أنهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم) حسب ما جاء في الفتوى.

ج) تؤكد على لزوم دفع شبهة الشك في ولاء المقاتلين المسلمين لمعسكر الكفر والبغي!!

د) تبيح للمسلم قتل أخيه المسلم بذريعة الإكراه، ومن المعلوم أن المكره لا يجوز له ذلك وإن كان فيه قتله، ومن باب أولى إن كان الدافع للقتل مجرد الضرورة التي لا إكراه فيها.

هـ) إذا كان دليل الفتوى الرئيسي الذي اعتُمد عليه هو وجوب قتل المحارب المستوجب لحد الحرابة، كمقدمة منطقية أولى، تكون المقدمة المنطقية الأخرى: ثبوت الاتهام على معين أو معينين، لنصل إلى النتيجة المتولدة من المقدمتين، وهي وجوب قتل أو قتال أولئك المعينين، وإلا فبتخلف هذه المقدمة الأخيرة يصير الإفتاء بمشروعية قتال المسلمين في أفغانستان ضربًا من الإفتئات والبغي، الذي ننزه الأفاضل المفتين عنه، لأنه يجيز للعسكريين الأمريكيين قتال وقتل متهم بريء لم تثبت إدانته.

ثانية عشر: كيف يستقيم مضمون الفتوى مع ما أفتى به أهل العلم ـ ومنهم الشيخ القرضاوي ـ من حرمة المشاركة مع التحالف أو إعانته أو تأييده، وكيف لو تسترت الدول العربية والإسلامية في ما احتجت به الفتوى، وقالوا ـ أيضًا ـ أنهم معرضون لأذى مادي ونفسي ومئات الملايين من المسلمين معهم، إن هم امتنعوا عما يريده التحالف من مشاركة ومعاونة ومباركة، ولا سيما مع التصريحات التي لم تجعل أمام حكام بلادنا سوى خيار واحد، وهو أن يكونوا مع الولايات المتحدة، وإلا كانوا مع"الإرهاب"يصيبهم ما يصيبه؟!

ولا تزال دعوى الإكراه هي الشبهة التي يعتذر بها كل مُفَرِطٍ في الإسلام وشريعته،] فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ (المائدة: من الآية52) .

ثالثة عشر: كيف يستقيم مضمون الفتوى مع ما أفتى به أهل العلم ـ ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي ـ من جواز القيام بالعمليات الاستشهادية، مع ما يقع فيها من ضحايا من غير المقاتلين، وهل يقتضي ذلك وجوب إقامة حد الحرابة على القائمين بهذه العمليات، إلحاقًا لهم بالأولين، لاتحاد العلة التي يدور معها الحكم حيث دارت؟ وهذه النقطة تعيدنا إلى ما ذكرناه آنفًا من خطأ إطلاقات الحظر والإباحة فيما فيه تفصيل أو تخصيص أو تقييد.

رابعة عشر: كيف يستقيم مضمون الفتوى مع ما أفتى به أهل العلم، من وجوب الدفاع عن أفغانستان، أو أي بلد مسلم يتعرض لعدوان؟ ومعلوم أن هذا الوجوب متعين على كل مسلم، إذا ما عجز أهل القطر المعتدى عليه ومن وراءهم، عن دفع العدو المداهم، أفبهذه الفتوى يأخذ العسكريون المسلمون، أم بتلك التي تجعلهم في خندق العدو ضد الأمة بأسرها؟!

وإذ آتي على ذكر مسائل وأحكام متعلقة بمسألتنا، وأضمنها ما يدعمها ويدعم ملاحظاتي الآنفة، طلبًا للحق الذي هو موضع حرص الجميع، أؤكد على تقبلي ـ بل سعادتي ـ لأي نصح صادق أو نقد نافع، يراد به بلوغ الحق، والله الموفق والهادي إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

أولا: حكم إقامة المسلم في ديار الشرك:

إقامة المسلم في بلاد الشرك تُراوح بين الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهية، والتحريم. وذلك بحسب اختلاف الظروف والأحوال والمقاصد، فإذا لم يكن ثم تحريم، وكان حكمها (أي: الإقامة) ـ في حالة معينة ـ مترددًا بين الأحكام الأربعة الباقية، فإنها لا تشرع عندئذ إلا بشروط.

وهذه الشروط هي كما يلي:

1ـ التمكن من النهوض بالتكاليف الشرعية. [انظر المغني لابن قدامة: 10/ 514ـ ط دار الكتاب العربي 1403هـ] .

2ـ أن لا يخشى على نفسه من الفتنة في الدين، ولو مع تمكنه من إظهار الإسلام، والقيام بفرائضه. . [المصدر السابق] .

على أن إظهار الإسلام لا يقصد به مجرد إظهار الشعائر، بل يقصد به: الجهر بعداوة المشركين، كما في احتجاج خالد بم الوليد على مجاعة، بأنه سكت، ولم يظهر البراءة كما أظهرها"ثمامة""واليشكري"، والقصة مشهورة تجدها في السير.

3ـ أن لا يكون عرضة لإكراهه على مظاهرة المشركين على المسلمين، فضلًا عن أن يبادر بذلك من نفسه دون إجبار، وهو في معنى الشرط السابق، لأنه لا ريب من الفتنة، بل من أكبرها.

فإذا فات شرط من هذه الشروط، وجب عليه الهجرة إلى دار يعلو فيها سلطان الإسلام، وإلا فهو آثم ما لم يكن عاجزًا عن الهجرة، ودليل ذلك كله قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97) .

جاء في"الروضة الندية":

"قيل: المراد بهذه الأرض: المدينة. والعموم أولى، لأن الاعتبار به، لا بخصوص السبب، كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها" ["العبرة فيما جاء في الغزو والشهادة والهجرة"لصديق بن حسن القنوجي: ص216] .

وجاء في"المغني"لابن قدامة:

" (فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه: واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به: فهو واجب" [انظر المغني لابن قدامة: 10/ 514] .

وجاء في تفسير القرطبي:

"وقول هؤلاء: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) يعني: مكة، اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً) ، ويفيد هذا السؤال والجواب: أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة .." ["جامع البيان لأحكام القرآن"للقرطبي: 5/ 346] .

وجاء في تفسير الألوسي:

" (قالوا) :أي الملائكة: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) ... بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة، وإلى المدينة .. ["روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني"للألوسي: 5/ 126] ."

قال الحافظ ابن كثير:" (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة"، ثم قال:"فهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية" ["تفسير القرآن العظيم"للعماد ابن كثير: (2/ 343) ] .

ولسنا نذهب إلى كفر من ترك الهجرة، مع القدرة عليها، لمجرد هذا الترك، وقد تقدم قول القرطبي: (ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين) ، وجاء في أحكام القرآن للجصاص:"... إذا أسلم الحربي، فأقام ببلادهم، فليس بمسلم .."ـ ثم قال ـ:"... وأما قول الحسن بن صالح في أن المسلم إذا لحق بأرض بدار الحرب فهو مرتد فإنه خلاف الكتاب والإجماع، لأن الله تعالى قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} (الأنفال: من الآية72) ، فجعلهم مؤمنين مع إقامتهم في دار الحرب بعد إسلامهم، وأوجب علينا نصرتهم بقوله:] وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ (لأنفال: من الآية72) ..." ["أحكام القرآن": 3/ 219] .

ويدل عليه حديث بُرَيْدَة ـ رضي الله عنه ـ، وفيه:"ثم ادْعُهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ... فإن أبَوْا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونونَ كأعراب المسلمين ..." [صحيح مسلم برقم (1731] ، فإنه يفيد بأن ترك الهجرة ـ مع القدرة عليها ـ ليس ردة ولا كفرًا.

فإن كان عاجزًا عن الهجرة، فهو معذور بعذر الله له،] إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (النساء:98) ، وقد قال الله تعالى في تتمة هذه الآية: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء:99) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت