الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد
فقد أصبح موضوع تحطيم الأصنام في أفغانستان، وقرار أمير المؤمنين ملا محمد عمر مجاهد حفظه الله تعالى بناءً على فتوى الإمارة الإسلامية المباركة، أصبح موضوع الساعة واحتل طليعة الأخبار العالمية خلال الشهر الماضي ..
وكما أصبح معروفًا فقد وقفت دول العالم الكافرة برمتها وعلى اختلاف أديانها موقف المندد بفعل الإمارة الإسلامية، وأرسلت عدد من الدول وفودها في محاولة للإبقاء على الأصنام، أو شرائها، كما أرسلت منظمة الأمم المتحدة وفرعها (اليونسكو) أكثر من مبعوث، وباءت كل تلك المحاولات بالفشل، وتحطمت على صخرة الإرادة الشرعية لأمير المؤمنين وحكومة طالبان المباركة
وكذلك أصبح معروفًا وسجل التاريخ بعض الصحائف السوداء لحكام بعض البلاد الإسلامية التي سعت هي الأخرى في الحفاظ على (بوذا) ونددت بعمل الإمارة ووصفته بالجهل والتخلف والعدوان على المدنية والتاريخ
وقد رأى المسلمون جميعًا كيف أرسلت تلك الحكومات المسماة (إسلامية) وفودًا من علمائها الرسميين ليضيفوا على دفاع حكوماتهم عن (بوذا) وفق رغبات حكام الدول الكافرة التي تفرض سيادتها على بلاد المسلمين كلها
ولقد سجلت الصحف ونقلت الإذاعات وشاشات التلفزيون العالمية مقابلات مع علماء مسلمين مرموقين، شنوا فيها هجومًا في خطبهم وفتاواهم وأقلامهم على قرار الإمارة، وانبروا ينتحلون الأدلة الشرعية المزورة، ويزورون تفسير القرآن، وتأويل بعض نصوصه، ويزورون نصوص السنة ويصرفونها إلى مرادهم الباطل، بل ويفتئتون على الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان وعلى خلفاء المسلمين الصالحين، ويزعمون أنهم أبقوا على تلك الآثار ولم يمسوها بسوء، وأن فعل الصحابة والخلفاء الراشدين هؤلاء سنة أُمرنا باتباعها، وهكذا يكون الإبقاء على الوثنية وحفظ أصنام الأرباب من دون الله سنة الأنبياء والخلفاء الراشدين وفعل الصحابة المكرمين .. وأن فعل الإمارة وقرار أمير المؤمنين هو نقض لهذه السنة الشريفة والسلوك الحميد للسلف الصالح!!.
كل هذا أصبح معروفًا كتبه الله على أصحابه، وسجله التاريخ في صحائفه السوداء من هذه الحقبة المريرة التي يمر بها المسلمون اليوم
ولقد اطلعت على كثير من الردود والأبحاث الشرعية والمقالات الصحفية التي كتبها كثير من أصحاب أقلام الحق، ردوا فيها على أهل الباطل باطلهم، وأثبتوا بأدلة القرآن الصريحة، وأدلة الأحاديث الصحيحة، وأفعال الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام أن نهج الإسلام هو تحطيم الأصنام وإزالة الأرباب المعبودة من دون الله
ولقد كان من أجمل ما اطلعت عليهم موجزًا ومفندًا ضلالهم كلمة أمير المؤمنين في خطبة عيد الأضحى المبارك (في مصلى قندهار الجامع) وذلك في أوج عملية هدم الأصنام، وكذلك خطبة العيد لمولوي محمد حسن نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية في مصلى العيد في كابل، والتي كانت جامعة مؤصلة ذكر فيها كافة الأدلة الشرعية المفحمة، وكذلك اطلعت على إثباتات قاضي القضاة (ثاقب) في حواره الشرعي المؤصل مع كبير المشائخ المدافعين عن الأصنام (فضيلة) الشيخ يوسف القرضاوي حيث أسكته وألقمه الحجة حتى انسحب من الجلسة والحوار ..
كما اطلعت على بعض المقالات والأبحاث عبر الإنترنت كان من أشملها ما كتبه الشيخ (ناصر بن حمد الفهد) في ردوده على دعاوى القرضاوي، كما اطلعت على بحث الإعلام بحكم كسر الأصنام الذي كتبه الشيخ أبو حفص الموريتاني، وسوى ذلك من المقالات الصحفية والتعليقات ..
وكذلك الفتوى الجامعة لكبير علماء جزيرة العرب الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي، وتأييد فضيلة الشيخ علي الخضير لفتوى الشيخ حمود العقلاء
ويمكن القول أنه بمجموع ما كتبت تلك الأقلام مدافعة عن الحق الواضح بذاته بأن تلك المدافعات الشرعية لم تترك شاردة ولا واردة إلا وأوردتها؛ مما جعل الصبح واضحًا لذي عينين ..
وأما الذي أريد أن أضيفه في هذه المقالة فهو ليس من قبيل الإضافة على ما اتضح .. فقد أوردت تلك المقالات ما يكفي للمستوضح المستفتي من الأدلة الشرعية ما يكفي ويزيد كما أسلفت ..
وإنما أريد أن ألفت نظر القارئ المسلم إلى أن سقوط صنم (بوذا) متهاويًا تحت قذائف ومتفجرات مجاهدي الطالبان لم يكن حدثًا محدودًا .. فلقد تهاوت مع حجارة وأتربة (بوذا) المتهاوية، وتطايرت مع شظاياه أشلاء أصنام وأوثان أخرى ما تزال تُعبد من دون الله، وتُعَبِّد العباد لأرباب كثر من دون الله ..
فلقد سقطت الستور الزائفة التي طالما سترت عورات كثيرون من حكام بلاد المسلمين، ودعواهم بالانتساب للإسلام والحكم به والدفاع عنه، وبدت عوراتهم على حقيقتها كعبيد للدول الكافرة، ومدافعين عن آلهتهم الحسية والمعنوية، فأي إسلام يبقي لحكام تدافعوا يحامون عن (بوذا) الإله الذي يعبده أكثر من (600 مليون كافر) في العالم، وأي دعوى للحكم بالإسلام وتقديس شعائر الله يبقي لهم وهم يتوسلون لدى حكومة الطالبان -رعاها الله- للإبقاء على الآلهة أو على بعضها أو على ثراها المقدس المنهال تحت الأقدام العارية لجنود الله ..
لقد سقطت الستور الزائفة وانكشفت حقيقة معتقدهم وخدمتهم وغيرتهم على آلهة الكفار والسير وفق أوامر أسيادهم ..
وإن سقوط هذه الأوثان والأصنام الحاكمة لبلاد المسلمين .. كانت بعض آثار سقوط (بوذا) .. كما سقطت أوثان وأصنام أخرى طالما عبدها الناس من دون الله دون أن يدروا .. وهي أصنام بعض علماء السوء واحبار السلاطين .. التي طالما تسترت بلباس زي علماء الإسلام، وتعممت بعمائمهم، وتلقبت بألقابهم .. فإذا كنّا نظن الجهل والضلال ببعض حكام المسلمين بدفاعهم عن الآلهة الباطلة، فأي عذر لمن حفظوا القرآن بقراءاته والسنة بشروحها، وأتقنوا علوم الدين وآلاته، ثم جاءوا يزعمون أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين تقتضي الإبقاء على الأوثان!! في حين يعلم صبيان المسلمين في الكتاتيب بطلان هذا القول، ونسبة صاحبه لعالم الجهل أو دنيا النفاق!.
وبهذا يكون من فضل الله في ثنايا تهاوي (بوذا) أن تتهاوى أوثان هؤلاء العلماء الذين ملؤوا الدنيا وشاشات التلفزيون بضلالاتهم التي ليس أفظعها أن يدافعوا عن الإله المزعوم (بوذا) وهذه أصنام أخرى تهاوت ..
صنم ثالث تهاوى مع تهاوي بوذا .. هن صنم الخوف وعبادة الدول العظمى الكافرة .. والظن بأنها تعطي وتمنع وتخفض وترفع من دون الله .. وأن إرادة أمريكا والدول الكافرة، أو ما أسموه النظام العالمي الجديد نافذة لا راد لحكمها ..
فثبت أن واحدة من أفقر دول العالم وهي أفغانستان، لما حازت إرادة حرة وقيادة لا تخشى إلا الله، لم تُقم وزنًا لهذا الوثن المخيف المعبود من دون الله .. وأمضت إرادتها، وأنفذت على أراضيها ما أرادات، ومارست حق السيادة كاملًا، ووقفت دول العالم كله مشدوهة لا تدري ما تفعل .. ومع انهيار صخور وأتربة إلههم الباطل، وذهاب الريح بما عصف من غبار، سكنت عاصفة الدول الكافرة ورضخت للأمر الواقع، وكانت هي المرة الأولى منذ أكثر من مائتي سنة من تاريخ المسلمين يضع فيها المسلمون الدنيا أمام الأمر الواقع بعد أن قضوا زهاء ثلاثة قرون أسرى الأمر الواقع الذي يفرض عليهم الشرق تارة والغرب أخرى ..
صنم رابع آخر تهاوى هو خوف الحاجة ووثن شهوات الإنسان الذي يسمونه (المصلحة) .. صحيح أن المصالح الشرعية معتبرة في دين الله، ولكن وثنًا كبيرًا هو (المصلحة الغير شرعية) أصبح يسيطر على عقول المسلمين، بل وعلى صحوتهم وكبار علمائهم ودعاتهم، فتراه يترك الأمر والنهي الملزم الواضح بدعوى (المصلحة) وثنًا يُعبد من دون الله .. وانبرت أصواتًا تقول للطالبان (نعم) هدم الأصنام ثابت شرعًا ولكن (مصلحة أفغانستان) !! مصلحة الدعم الاقتصادي!! رفع الحصار!! المساعدات الإنسانية!! الاعتراف الدولي!! ... إلخ.
وتحطمت دعاواهم على صخرة إرادة أمير المؤمنين حفظه الله قائلًا: (أريد أن يعرفني التاريخ بمكسر الأصنام وليس بائع الأصنام) وعلى صخرة العلم والعمل لقاضي القضاة (ثاقب؟) عندما قال له القرضاوي (المصلحة) قال قاضي القضاة: (أنت تعلم أن المصلحة إذا تصادمت مع أساسيات الشريعة فلا اعتبار لها، وهي مصلحة موهومة!) وهكذا هوى صنم المصالح، وعلت إرادة الله ..
وهكذا جاء الحق وزهق الباطل .. إن الباطل كان زهوقًا .. يقول الله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} .
وهكذا تهاوت أصنام الباطل وشمخت همم وهامات الحق .. على ابتلاء وامتحان الولاء والبراء .. يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسمتم بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} .. نعم ..
لقد جاء الشيوخ الضالون يسارعون في مصالح أوليائهم من الحكومات الكافرة والمرتدة وعذرهم المصلحة {نخشى أن تصيبنا دائرة} وراحوا يزورون الدين .. وحبطت _بإذن الله- أعمالهم وأصبحوا خاسرين في الدنيا (لم يتحقق هدفهم وهُدم الصنم) وفي الآخرة _بإذن الله- بولاية الكافرين ..
وانظر إلى رسالة الشيخ القرضاوي إلى أمير المؤمنين يساومه على إبقاء الأصنام، ويدلس عليه الدين ظنًا منه أن تنطلي عليه الحيلة، فقال القرضاوي في رسالته إلى أمير المؤمنين:
(لقد قرأنا في الصحف وسمعنا في الإذاعات أنكم أمرتم بتحطيم التماثيل الموجودة في أفغانستان منذ ما قبل الإسلام، ولا شك عندنا في أنكم فعلتم ذلك بنية صالحة إن شاء الله، واجتهدتم في ذلك اجتهادًا ندعو الله أن تؤجروا عليه، ولكننا رأينا في ما قررتموه مخالفات شرعية صريحة رأينا من واجبنا أن نسترعي أنظاركم إليها.
"فأنتم تقرأون -ولا شك- حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليهما بالنواجذ) ، فسنة الخلفاء الراشدين أصل يرجع إليه ويلتزم به، ومن خالف سنته -صلوات الله عليه- أو سنة خلفائه الراشدين -رضي الله عنهم- فإنه يُخشى عليه أن يكون قد عصى الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين."
"وقد أجمع الخلفاء الراشدون الذين حصلت في عهدهم الفتوح الإسلامية، وأجمع معهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعون، على عدم المساس بالتماثيل التي كانت قائمة قبل الإسلام في البلاد التي فتحوها، ولم يمسوها بسوء)!!. ثم يقول: (فهذه سنة الخلفاء الراشدين وإجماع الصحابة، وهم أعلم الناس بجوهر الدين وسنة سيد المرسليني، وفي مخالفتهم أمر آخر، وهو أننا نزعم لأنفسنا أننا أعلم منهم بأمور الدين، وهذا موقف خطير قد يهدد عقيدة من يزعم لنفسه ذلك، ولا تنس أن كل علماء المسلمين، منذ الصدر الأول حتى اليوم، أقروا الإبقاء على هذه التماثيل ولم يدعوا إلى إزالتها، ومنهم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه ... ) إلى أن قال: (فتحطيم هذه التماثيل اليوم يتضمن الإنكار على من سبقنا من المسلمين من عصر الفتح الإسلامي إلى اليوم) إلى أن قال زاعمًا: (وقد سكت سيدنا هارون عليه السلام -إلى حين- على عبادة قومه للعجل، خشية أن يتمزق شمل الجماعة ... ) إلخ ما زعم وافترى"
وكانت الوقفة الشامخة لأمير المؤمنين ولعلماء طالبان .. ونرجو الله أن يكونوا مع من وقف معهم من أهل الحق في وجه أهل الباطل ممن قال الله فيهم في سياق نفس الآيات: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}
فلله در أمير المؤمنين وعلماء طالبان ومجاهديهم .. كم سقط على أيديهم من وثن .. وهوى بين أحجار وغبار بقايا صنم بوذا!
[بقلم: عبد الغفار هاشمي > قندهار > 10/ 1/1422هـ]