[الكاتب: عبد الآخر حماد الغنيمي]
لا يخفى على أحد مدى الذلة والهوان التي وصل إليها حال المسلمين في غياب الاحتكام إلى شريعة الله تعالى واتباع أمره، ولا شك أن الجرم الأكبر في هذا الأمر إنما يتحمله أولئك الثلة من الحكام الذين قادوا بلادهم إلى مستنقع التبعية والولاء لأعداء الله تعالى.
وإذا كان بعض أهل العلم قد وفقه الله للصدع بالحق في رفض العدوان الأمريكي المزمع على الشعب العراقي المسلم ووجوب مقاومة هذا العدوان، فإني أرى أن من الجوانب المهمة التي يتغافل عنها كثير من أهل العلم بيان الموقف الشرعي من هؤلاء الحكام الذين فتحوا بلادهم للقوات الأمريكية الكافرة ومدوها بأنواع شتى من المظاهرة والمعاونة.
ولذا فلقد تعجبت كثيرًا حين سمعت وقرأت بعض كلام الشيخ القرضاوي حفظه الله فيما يتعلق بالأحداث الراهنة، وذلك أنه مع صدعه بالحق في وجوب مقاومة القوات الأمريكية الغازية بكل السبل المتاحة، إلا أننا فوجئنا به يدعو في برنامج"الشريعة والحياة"بتاريخ [16/ 2/2003] ، إلى احترام الاتفاقات القديمة التي تمت بين الأمريكان وحكام المنطقة، والتي توجد بموجبها قواعد أمريكية في منطقة الخليج.
بل قد أكد الشيخ في حديث لموقع حقائق مصرية بتاريخ [24 من ذي الحجة 1423 هـ] : (أنه بالنسبة للقواعد الأمريكية القديمة المنتشرة في منطقة الخليج فإنها قامت بطريقة شرعية؛ لأنها جاءت بقرارات حكومات شرعية، فهذه نبقى عليها، بينما الإنزال الجاري حاليًا لا توافق عليه غالبية الدول العربية والإٍسلامية، مما يجعله غير شرعي ومرفوضًا، ولا يجوز السماح لها بالتواجد من أجل احتلال أراضي المسلمين) .
وهذه التفرقة بين الوجود الأمريكي السابق والوجود اللاحق أمر في غاية الغرابة، ويكاد يكون نوعًا من الدبلوماسية التي قد نتوقع وجودها في خطابات الساسة وحوارات الصحافيين، لكنها لا يمكن فيما أرى والله أعلم أن تكون خطابًا شرعيًا ينتظره الناس من واحد من علماء المسلمين.
ويمكن إجمال ملاحظاتنا على فتوى الشيخ القرضاوي في النقاط الآتية:
أولًا:
أن الفتوى قد أضفت صفة الشرعية على الحكام المخالفين لشرع الله، بينما النظر الشرعي الصحيح يؤكد أنه لا نصيب لهؤلاء الحكام من الشرعية بمعناها الإسلامي، وما ذلك إلا لأن شرعية الحاكم في الإسلام مستمدة من كونه حاكمًا بمقتضى شرع الله تعالى، ومتى خرج الحاكم عن حكم الشرع إلى تحكيم أهواء الناس وعقول البشر فقد انتفت شرعيته ولم يعد له ولاية على المسلمين، وأي شرعية لمن خرج عن حكم الشرع، وتحاكم إلى شرائع الجاهلية فحرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله وبدل شريعة الله؟
وقد قال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} [المائدة: 50] .
قال الشيخ رشيد رضا: (ومن المسائل المجمع عليها قولًا واعتقادًا: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإنما الطاعة في المعروف، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة) [تفسير المنار 6/ 303] .
كما أننا نعلم أن من أهم واجبات الحاكم المسلم كما تذكرها كتب السياسة الشرعية"حماية البيضة، وتحصين الثغور، وجهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة" [انظر الأحكام السلطانية للماوردي ص: 51] ، فهل يعتبر حاكمًا شرعيًا من استبدل بجهاد المعاندين موالاتهم وجعل أرض الإسلام كلأً مباحًا لهم؟
ثانيًا:
أنه بفرض شرعية هؤلاء الحكام فإنه لا بد من النظر في ما يعقدونه من الاتفاقات والمعاهدات فما كان منها موافقًا للشرع قُبل، وما كان منها مخالفًا لشرع الله رُد ولا كرامة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) [أخرجه البخاري 7257/ومسلم 1840، من حديث عليٍّ] .
ولا شك أن هذه الاتفاقات القديمة التي يشير إليها الشيخ القرضاوي مخالفة لشرع الله تعالى باعتبارها قد نصت على وجود عسكري للكفار في بلاد المسلمين، خصوصًا ما كان منها في جزيرة العرب فإنه مخالف مخالفة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [أخرجه البخاري 3053/ومسلم 1637، من حديث ابن عباس] .
كما أن هذا الوجود العسكري لا يخضع لسيطرة هذه الحكومات التي وصفها الشيخ بأنها شرعية، وقد اعترف وزير خارجية قطر في مقابلة تلفزيونية منذ فترة أن الأمريكان لا يسمحون لأحد بأن يتخذ معهم قرارًا بشأن وجود تلك القوات وتحركاتها، فكيف تحترم اتفاقات تسمح لأعداء الله بأن يفعلوا في ديار المسلمين ما يريدون، دون مشاورة مع هذه الحكومات التي يضفي عليها الشيخ صفة الشرعية، وإذا كان فقهاؤنا يقولون إن وجود شرط مخالف للشريعة في عقد الصلح مع الكفار يبطله، فكيف إذا كان العقد كله باطلًا؛ لأنه عقد إذلال وإذعان يذعن بمقتضاه المسلمون لما يريده الكافرون بل يقدمون لهم من المؤن والتسهيلات ما يشاؤون؟
ثالثًا:
أن هذه الاتفاقات القديمة كانت هي المقدمة الطبيعية لمجيء القوات الأمريكية هذه المرة، وقد رأينا بعض القطريين في معرض دفاعه عن هذا الإنزال الجديد، يحتج بالتواجد الأمريكي السابق في بلاد الحرمين وأن الحكومة السعودية قد سمحت للأمريكان بالمجيء ثم البقاء في أراضيها.
ثم كيف يتسنى للمرء المسلم الذي يريد أن يجاهد الأعداء أن يفرق بين الوجود القديم والجديد، بعد أن اختلط الجديد بالقديم، وصار الإنزال الجديد يتم في قواعد قديمة؟ وهل كتب على سترة كل جندي منهم أنه من القوات المتواجدة من قديم أو من الإنزال الجديد؟
رابعًا:
أنه إذا كانت شرعية الاتفاقات القديمة قد جاءت من كونها تمت على يدي حكومات شرعية فإن المجيء الجديد للأمريكان هو أيضًا قد تم عن طريق هؤلاء الحكام، فإن كان هذا المجيء قد جاء برغبتهم فما الفرق بينه وبين القواعد السابقة؟ وإن كان قد جاء رغمًا عنهم فذلك دليل على أنه لا شرعية لهؤلاء الحكام ولا احترام لما أبرموه من الاتفاقات لا القديمة ولا الجديدة.
أما القول بأن مجيء القوات الأمريكية واتخاذها القواعد في أرض المسلمين كان في المرة الأولى بموافقة أغلب الدول العربية والإسلامية، وأما الآن فإن الغالبية تعارضه؛
فإنه لا حجة في ذلك لما أسلفناه من أن العبرة في قبول الاتفاقات هو موافقتها للأصول الشرعية لا موافقة أغلبية الحكام عليها، والقول بهذا يوقع قائله في نفس المأزق الذي وقع فيه من أفتى ببطلان صلح السادات مع دولة اليهود على أساس أنه صلح منفرد لم تشارك فيه غالبية البلاد الإسلامية، ثم وجدنا كل الحكام بعد ذلك يسيرون في نفس خط السادات على نحو ما جاء في قصيدة أحمد مطر عن الثور الذي فر من الحظيرة واجتمعت الأبقار لعقابه، ثم وقعت بعد عام حادثة خطيرة: لم يرجع الثور ولكن ذهبت وراءه الحظيرة.
خامسًا:
أن من أوجب الواجبات على أهل العلم تنبيه الأمة إلى أن ما يقوم به بعض حكام العرب من فتح المطارات والموانئ أمام القوات الأمريكية والسماح لتلك القوات بالانطلاق من أراضيها لغزو العراق واستغلال ثروات المسلمين وإعادة صياغة المنطقة حسب المصالح الأمريكية، هو من الأمور الخطيرة التي تمس أمر العقيدة في الصميم وليس مجرد معصية كبيرة أو صغيرة، وذلك لما دلت عليه النصوص الشرعية من أن مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين ناقض من نواقض الإسلام، ومخرج من الملة الحنيفية، قال تعالى: {ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} [المائدة:80 - 81] .
وقد ذكر الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله أن من أعظم نواقض الإسلام؛ مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، قال: (والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ... ) [مجموعة التوحيد ص 23] .
وقال الإمام ابن حزم: (صح أن قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) [المحلى 11/ 138] .
وقد بين أهل العلم أن مظاهرة المشركين يدخل فيها كل معونة تقدم لهم ولو كانت مجرد كلام باللسان كإبداء رأي أو مشورة، أو نحو ذلك، فقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله - أحد أئمة الدعوة النجدية - أن من مبطلات الإيمان"موالاة المشرك والركون إليه ونصرته وإعانته باليد أو اللسان أو المال، كما قال تعالى {فلا تكونن ظهيرا للكافرين} [القصص:86] ..." [الدرر السنية 11/ 300] .
وللشيخ أحمد شاكر رحمه الله فتوى شهيرة في هذا الباب كان قد أصدرها إبان الاحتلال الإنجليزي والفرنسي لبعض ديار الإسلام يقول فيها: (أما التعاون مع الإنجليز بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر فهو الردة الجامحة والكفر الصراح، لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأويل، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق، سواء كان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء، كلهم في الكفر والردة سواء، إلا من جهل وأخطأ ثم استدرك أمره فتاب واتخذ سبيل المؤمنين فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم، إن أخلصوا من قلوبهم لله، لا للسياسة ولا للناس) [كلمة الحق ص 130 - 131] .
ثم يقول: (ألا فليعلم كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض؛ أنه إذا تعاون مع أعداء الإسلام مستعبدي المسلمين من الإنجليز والفرنسيين وأحلافهم وأشباههم، بأي نوع من أنواع التعاون، أو سالمهم فلم يحاربهم بما استطاع، فضلًا عن أن ينصرهم بالقول أو العمل على إخوانه في الدين، أنه إن فعل شيئًا من ذلك ثم صلى فصلاته باطلة، أو تطهر بوضوء، أو غسل أو تيمم فطهوره باطل، أو صام فرضًا أو نفلًا فصومه باطل، أو أدى زكاة مفروضة، أو أخرج صدقة تطوعًا، فزكاته باطلة مردودة عليه، أو تعبد لربه بأي عبادة فعبادته باطلة مردودة عليه، ليس له في شيء من ذلك أجر، بل عليه فيه الإثم والوزر) [المصدر السابق ص: 132] .
وهذا كله مما يبين خطورة الأمر وأن واجب أهل العلم ترك أنصاف الحلول بأن يكتفوا بإدانة العدوان الأمريكي المزمع على ديار المسلمين والسكوت عن أولئك الحكام الذين لا يستأسدون على أقوامهم وبني جلدتهم، حتى تكون الأمة على بينة من أمرها وتعلم أن من أعدى أعدائها أولئك الطواغيت الصغار الذين يمكنون للطاغوت الكبير - أمريكا - في ديار المسلمين.
هذا والله تعالى أعلم
وهو الهادي إلى سواء السبيل