فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 137

[الكاتب: عبد المنعم مصطفى حليمة]

لعلكم ـ شيخنا ـ قد سمعتم بفتوى القرضاوي بجواز قتال المسلمين الأمريكيين مع الجيش الأمريكي ضد المسلمين في أفغانستان (1) .. فما قولكم في ذلك .. وبماذا تنصحون المسلمين تجاه إخوانهم في أفغانستان .. وجزاكم الله خيرًا؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين. ليس غريبًا أن يصدر عن هذا الضال المُضل مثل هذه الفتاوى الشاذة المعلوم من الدين بالضرورة بطلانها .. ولكن الغريب أنه إلى الساعة ـ ورغم ضلالات الرجل الكثيرة التي يصعب حصرها ـ لا يزال عدد من المسلمين من يستمعون إليه .. ويعتدون بفتواه .. ويُجادلون عنه!

أما أن فتوى الرجل الآنفة الذكر باطلة .. فهذا لا خفاء فيه، وذلك من أوجه:

منها: أنه آثر ـ في فتواه المذكورة أعلاه ـ الولاء الوطني .. والولاء للجنسية على الولاء للعقيدة والدين .. وقدم الأولى على الأخرى .. وهذا كفر لمصادمته عشرات النصوص التي توجب عقد الولاء والبراء بين المسلمين على أساس الانتماء للعقيدة والدين .. وأن المسلمين يد واحدة على من سواهم مهما باعدت أو فرقت بينهم الأقطار .. أو تعددت جنسياتهم ولغاتهم وأعراقهم .. !

وهو كفر لكونه عقد الولاء والبراء في الوطن أو الدار .. ولذات الوطن من دون الله عز وجل .. !

ومنها: أنه ـ في فتواه ـ قد أحل وأجاز ما حرم الله تعالى مما هو معلوم من الدين بالضرورة .. حيث أنه أجاز مظاهرة المشركين المجرمين المعتدين والقتال معهم ضد المسلمين لاعتبارات واهية جاهلية لا اعتبار لها في ديننا الحنيف .. وهي اعتبارات الانتماء للوطن والجنسية!

فهو لم يُظاهر وحسب .. بل أحل مظاهرة المشركين على المسلمين .. وهذا أغلظ كفرًا وجرمًا .. لحصول الكفر من جهتين: جهة مظاهرة المشركين .. ومن جهة استحلال مظاهرة المشركين على المسلمين .. !

ومنها: تذبذبه وتقلبه فيما يخص هذه المسألة .. فهو من جهة طالب المسلمين بمد يد العون للمسلمين في أفغانستان .. وناشدهم عدم مساعدة الأمريكان في عدوانهم على أفغانستان .. ومن جهة أخرى أجاز للمسلمين الأمريكان ـ وتعدادهم بالآلاف، بحكم انتمائهم الوطني! ـ القتال بجوار ومع الجيش الأمريكي الغازي والمعتدي على حرمات المسلمين وأطفالهم في أفغانستان .. !

وهو بذلك ضمِن جانب ونقمة من يعارضون أو يُحرمون الغزو والاعتداء الأمريكي .. وجانب ونقمة من يُؤيدون الاعتداء الأمريكي .. فهو لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء .. وهذا أقل ما يُقال فيه بأنه زندقة ونفاق .. وتذبذب، كما قال تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء:143]

أما ما يجب على المسلمين نحو إخوانهم في أفغانستان .. فأقول:

نزولًا عند العمل بجميع النصوص الشرعية ذات العلاقة بالمسألة يجب على جميع المسلمين في الأرض ـ كل بحسب ظروفه وطاقته وإمكانياته ـ أن يقدموا يد العون والغوث والنصرة لإخوانهم المسلمين في أفغانستان .. كما يجب عليهم أن يردوا عنهم ظلم العدوان الأمريكي وحلفائها بجميع الوسائل المشروعة .. كل بحسب طاقته وقدرته وموقعه .. وهذا واجب لا منَّة فيه لأحد .. وهو مما لا خفاء فيه .. ولا يختلف عليه اثنان من ذوي العلم المعتبرين.

(1) اضافة من منبر التوحيد والجهاد: فتوى القرضاوي، التي تحمل توقيعه وتوقيع كل من طارق البشري وهيثم الخياط ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي، ونشرها فهمي هويدي في رأيه الأسبوعي في جريدة"الشرق الأوسط"بتاريخ 8 أكتوبر - تشرين الأول - عام 2001، ونصها:

(السؤال يعرض قضية شديدة التعقيد وموقفًا بالغ الحساسية يواجهه اخواننا العسكريون المسلمون في الجيش الاميركي، وفي غيره من الجيوش التي قد يوضعون فيها، في ظروف مشابهة.

والواجب على المسلمين كافة ان يكونوا يدًا واحدة ضد الذين يروعون الآمنين ويستحلون دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي، لان الاسلام حرم الدماء والأموال حرمة قطعية الثبوت الى يوم القيامة، إذ قال تعالى: «من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل انه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم ان كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون» (المائدة 32) ، فمن خالف النصوص الاسلامية الدالة على ذلك فهو عاص مستحق للعقوبة المناسبة لنوع معصيته وقدر ما يترتب عليها من فساد أو إفساد.

يجب على اخواننا العسكريين المسلمين في الجيش الاميركي ان يجعلوا موقفهم هذا ـ وأساسه الديني ـ معروفيْن لجميع زملائهم ورؤسائهم وأن يجهروا به ولا يكتموه لأن في ذلك إبلاغًا لجزء مهم من حقيقة التعاليم الاسلامية، طالما شوهت وسائل الاعلام صورته أو أظهرته على غير حقيقته.

ولو ان الاحداث الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة عُوملت بمقتضى نصوص الشريعة وقواعد الفقه الاسلامي لكان الذي ينطبق عليها هو حكم جريمة الحرابة الوارد في سورة «المائدة» (الآيتان 33 و 34) .

لذلك، فاننا نرى ضرورة البحث عن الفاعلين الحقيقيين لهذه الجرائم، وعن المشاركين فيها بالتحريض والتمويل والمساعدة، وتقديمهم لمحاكمة منصفة تنزل بهم العقاب المناسب الرادع لهم ولأمثالهم من المستهينين بحياة الابرياء وأموالهم والمروعين لأمنهم.

وهذا كله من واجب المسلمين المشاركة فيه بكل سبل ممكنة، تحقيقًا لقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» (المائدة 5) .

ولكن الحرج الذي يصيب العسكريين المسلمين في مقاتلة المسلمين الآخرين، مصدره ان القتال يصعب ـ أو يستحيل ـ التمييز فيه بين الجناة الحقيقيين المستهدفين به، وبين الأبرياء الذين لا ذنب لهم في ما حدث، وان الحديث النبوي الصحيح يقول: «اذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه» (رواه البخاري ومسلم) .

والواقع ان الحديث الشريف المذكور يتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع ان ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه، وهو لا يتناول الحالة التي يكون المسلم فيها مواطنًا وجنديًا في جيش نظامي لدولة، يلتزم بطاعة الأوامر الصادرة إليه، وإلا كان ولاؤه لدولته محل شك مع ما يترتب على ذلك من أضرار عديدة.

يتبين من ذلك ان الحرج الذي يسببه نص هذا الحديث الصحيح إما انه مرفوع، وإما انه مغتفر بجانب الأضرار العامة التي تلحق مجموع المسلمين في الجيش الاميركي، بل وفي الولايات المتحدة بوجه عام، اذا اصبحوا مشكوكًا في ولائهم لبلدهم الذي يحملون جنسيته، ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة، وعليهم ان يؤدوا واجباته.

وأما الحرج الذي يسببه، كون القتال لا تمييز فيه فان المسلم يجب عليه أن ينوي مساهمته في هذا القتال وأن يحق الحق ويبطل الباطل، وان عمله يستهدف منع العدوان على الأبرياء أو الوصول الى مرتكبيه لتقديمهم للعدالة، وليس له شأن بما سوى ذلك من أغراض للقتال قد تنشئ لديه حرجًا شخصيًا، لأنه لا يستطيع وحده منعها ولا تحقيقها، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والمقرر عند الفقهاء ان ما لا يستطيعه المسلم وغير ساقط عنه لا يكلف به، وإنما المسلم هنا جزء من كل لو خرج عليه لترتب على خروجه ضرر، له ولجماعة المسلمين في بلده، أكبر كثيرًا من الضرر الذي يترتب على مشاركته في القتال.

والقواعد الشرعية المرعية تقرر أنه «اذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما» ، فاذا كان يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوشهم ضرر على جميع المسلمين في بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجًا أو أذى روحيًا ونفسيًا، فان «الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام» ، كما تقرر القاعدة الفقهية الأخرى.

واذا كان العسكريون المسلمون في الجيش الاميركي يستطيعون طلب الخدمة ـ مؤقتًا أثناء هذه المعارك الوشيكة ـ في الصفوف الخلفية للعمل في خدمات الاعاشة وما شابهها ـ كما ورد في السؤال ـ من دون ان يسبب لهم ذلك، ولا لغيرهم من المسلمين الاميركيين، حرجًا ولا ضررًا فانه لا بأس عليهم من هذا الطلب. أما اذا كان هذا الطلب يسبب ضررًا أو حرجًا يتمثل في الشك في ولائهم، أو تعريضهم لسوء ظن، أو لاتهام باطل، أو لايذائهم في مستقبلهم الوظيفي، او للتشكيك في وطنيتهم، وأشباه ذلك، فانه لا يجوز عندئذ هذا الطلب.

والخلاصة انه لا بأس ـ ان شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة ضد من «يُظَنُّ» انهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم، مع استصحاب النية الصحيحة على النحو الذي أوضحناه، دفعًا لأي شبهة قد تلحق بهم في ولائهم لأوطانهم، ومنعًا للضرر الغالب على الظن وقوعه، وإعمالا للقواعد الشرعية التي تنص على ان الضرورات تبيح المحظورات، وتوجب تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد، والله تعالى أعلم وأحكم) اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت