إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) ، فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} ، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] .
فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لعمه فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح. وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة [1] .
وفي زيادة للطبري، أوردها العسقلاني في"الفتح": (قال: أي عم، إنك أعظم الناس عليَّ حقًا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة) ، وفيه أنه مع عظيم ما قدم أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم لا ترجى له شفاعة إلا أن يؤمن.
وقد بوب مسلم لهذا الحديث بقوله: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين. والدليل على أن من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم. ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.
قال الإمام النووي رحمه الله: (وأما قول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ، فقال المفسرون وأهل المعاني: معناه: ما ينبغي لهم. قالوا وهو نهي) .
قال: (أما قوله عز وجل: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] ، فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج، وغيره، وهي عامة؛ فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى) [2] .
(1) فتح - كتاب التفسير - (16) باب (ما كان للنبي .. ) ح/4679، ومسلم شرح النووي: (1/ 294) - كتاب الإيمان - (9) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت: (ح/39) .
(2) "مسلم بشرح النووي": (1/ 297) ط ثانية - مؤسسة قرطبة 1414هـ / 1994م.