فالكافرون ضالون ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون، وأن أعمالهم ذات وزن موزون، وأنهم على شيء ... وقد خيب الله ظنهم في أعمالهم، أفيليق بأهل الإيمان أن يكون ظنهم بأعمال أهل الضلال كظن أولئك بها، مع ما قطع به القرآن ببوارها؟! قال تعالى: {إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف: من الآية: 30] .
قال الطاهر بن عاشور - في تفسير آيتي سورة هود: {من كان يريد الحياة الدنيا ... الآية} ، إلى قوله: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ... الآية} : (وفيه تنبيه للمسلمين أن لا يغتروا بظاهر حسن حال الكافرين في الدنيا، وأن لا يحسبوا أيضًا أن الكفر يوجب تعجيل العذاب فأوقظوا من هذا التوهم، كما قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196، 197] ) [1] .
غاية ما يستفيده الكافر في الآخرة:
غاية ما يستفيده الكافر في الآخرة مما قدم من عمل في دنياه، ولم يستوف أجره فيها ... أن يخفف به عنه من عذابه يوم القيامة، وهذا لا يعلم في حق معين إلا بنص، كما وقع لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
روى مسلم في"صحيحه": عن العباس بن عبد المطلب، أنه قال: يا رسول الله! هل نفعت أبا طالب بشىء؟ فإنه كان يحوطك [2] ويغضب لك. قال: (نعم، هو في ضحضاح [3] من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) .
وفي رواية: قال: (نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) .
وفي رواية: فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه) [4] .
(1) "التحرير والتنوير": (12/ 22 - 23) ط دار سحنون بتونس - بدون رقم وبدون تاريخ.
(2) قال أهل اللغة: حاطه يحوطه حوطًا وحياطة إذا صانه وحفظه وذب عنه وتوفر على مصالحه.
(3) الضحضاح فارق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، واستعير في النار.
(4) "مسلم بشرح النووي": (3/ 104) - كتاب الإيمان - (90) باب شفاعة النبي ص لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه: (ح/357) .