فهرس الكتاب
فهو أنه ورد من طرق بعضها صحاح، وبعضها حسان، وبعضها ضعاف تعتضد بغيرها أن الله يمتحن يوم القيامة من لم تبلغه الدعوة ممن كان من أهل الفترة، أو كان مجنونا لا يعقل، أو شيخا كبيرا قد خرف، أو كان أصم لا يسمع، فهؤلاء المذكورون في صحاح السنن أنهم يمتحنون مع أن كل واحد منهم لم يكن مكلفا بالإيمان تكليفا يستحق به العقاب أو الثواب، ولم يكن عندهم من العمل الصالح والإيمان الصحيح ما يدخلون به الجنة،وكذلك لم يكن عندهم من مساوي الأعمال ما يعاقبون عليه لعدم قيام الحجة عليهم، ولما كانوا كذلك أعذرهم الله تعالى فامتحنهم يوم القيامة ليتبين ما يصيرون إليه من عقاب أو ثواب، ولا فرق في ذلك بين الطفل الصغير والمجنون والمعتوه والكبير الذي قد خرف، فكلهم غير مكلف في حكم الشرع، فيكون الصغير مثلهم، ويأخذ حكمهم، وما تقدم من الأحاديث وإن كان فيها مقال لكنها تعتضد بهذا الأصل (4) .
وأما النظر:
فقالوا: إن الجنة جزاء من عمل صالحا، والنار جزاء من عمل سيئا، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة بحيث لا يمكن حصر النصوص الواردة في ذلك، فمن قال بأنهم يدخلون الجنة فقوله تدفعه هذه النصوص وبما ورد من أوجه صحيحة من أنهم في النار، وأما بقولنا فتجتمع النصوص ولا تتعارض، ولهذا كان قول الكبار من أئمة السنة، ولم يحك غيره الأشعري عن أهل السنة وذهب إليه (5) .
وقالوا: إن القول بتعذيبهم كلهم أو إمكان تعذيبهم كلهم مبني على المشيئة المرجحة بلا سبب، ولا حكمة، ولا رحمة، والقول بأنهم في الجنة مع من آمن وعمل صالحا، مبني على رحمة بلا حكمة، وكل ذلك باطل لا يصح كما عرف من موضعه (6) .
الهوامش:
(1) هامش (1) :هذا الحديث عن أبي هريرة: إن أراد ابن تيمية مارواه غير واحد، وذكره هو بطرقه في درء التعارض (8/ 401) فليس في شيء من طرقه ذكر الأطفال فيما أعلم، وإنما هو مثل حديث الأسود بن سريع فيه ذكر الأصم والأبكم والمعتوه ومن مات في الفترة والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا كما في راية الطبري، وهو الغالب على طني، فالاستدلال به من باب القياس كما سيأتي.
وإن أراد حديثا آخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأطفال فلم أقف عليه فلينظر من رواه؟ والله أعلم
ثم رأيت الألباني رحمه الله تعالى خرج حديث أبي هريرة في الصحيحة (رقم 1434) ليس فيه ذكر المولود، وقال في صحيحته (5/ 605) : وأما حديث أبي هريرة والأسود فقد سبق تخريجهما برقم (1434) وليس فيهما ذكر المولود اهـ المراد منه.
تنبيه: حديث الأسود المشار إليه غير حديثه في أن المولود في الجنة المتقدم برقم (13) فراجعه.
(2) هذا النقل من ابن تيمية فيه أمران:
الأمر الأول: ليس صريحا في أنه يرى الامتحان، بل هو في ظاهر كلامه كأنه يميل للقول بالوقف، لكنه بضم أقواله الأخرى وما ذكره عقيبه يدل على أنه يرى الامتحان، وقرينة أخرى هي: نسبته لأهل السنة، وقد نقل في كلامه السابق من الفتاوى عن الأشعري أنه نسبه لأهل السنة _ أي الامتحان -، والتوقف المذكور هنا يعني عدم الجزم بشيء من نار أو جنة، بل تفويض ذلك لما يظهر بعد الامتحان.
ويؤيد هذا أن ابن تيمية ذكر قريبا من هذا الكلام في درء التعارض (8/ 402) فقال: فأما جواب النبي صلى الله عليه وسلم الذي أجاب به أحمد آخرا، هو قوله"الله أعلم بما كانوا عاملين"فإنه فصل الخطاب في هذا الباب، وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة أهـ.
وقال في الموضع نفسه بعد ذكره لمرويات الامتحان: وهذا تفسير قوله"الله أعلم بما كانوا عاملين"ويأتي قريبا.
الأمر الثاني: في كلامه عن الأحاديث الواردة في امتحان الأطفال ما يدل على موافقته لابن عبد البر من أن ذكر الامتحان في الأحاديث الصحيحة ليس فيها ذكر الأطفال، وإنما ذكر فيها أربعة هي المذكورة في كلامه، وأن الاستدلال بها من باب قياس الطفل على من ذكر في الحديث
وقد ذكر في درء التعارض (8/ 399 - 402) كثيرا من ألفاظ الأحاديث الواردة في امتحان هؤلاء في الآخرة، منها حديث أبي هريرة والأسود، ليس في شيء منها ذكر المولود، ثم قال: وقد جاءت عدة آثار مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين بأنه في الآخرة يمتحن أطفال المشركين وغيرهم ممن لم تبلغهم الرسالة في الدنيا، وهذا تفسير قوله"الله أعلم بما كانوا عاملين"أهـ والله أعلم.
(3) يريد بالطريقة الثانية: القول في أولاد المسلمين وأنهم في الجنة تبعا لآبائهم كما يأتي في آخر الدراسة.
(4) قال أبو عبد الباري: هذا الاستدلال لأصحاب هذا القول أخذناه من عدة أمور هي:
أولا: قول ابن القيم الهججرتين (ص 657) : فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده أهـ
فقوله (( وتشهد لها أصول الشرع وقواعده ) )يشير إلى ما قلناه والله اعلم
ثانيا: ما ذكره ابن تيمية في الصفدية (2/ 245) بعد سرده أحاديث الامتحان التي ليس في شيء منها ذكر المولود: وبذلك استدل أبو هريرة على أن أطفال الكفار لا يعذبون حتى يمتحنوا في الآخرة.
ثالثا: إيراد من اختار هذا القول أحاديث الامتحان والتزامهم لذلك مع عدم ورود المولود من وجه صحيح على ما تقدم.
رابعا: قول ابن كثير في البداية والنهاية (2/ 100) في يأجوج ومأجوج وكيف يعذبون ولم يبعث إليهم رسلا؟ قال: الجواب: أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والإعذار إليهم، فإن كان قد أتتهم رسل فقد قامت الحجة عليهم، وإلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة ... حتى آخر كلامه.
وموضع الشاهد هو: أنهم كمن لم تبلغه الدعوة فلا يعذبون بغير الامتحان قياسا على من ذكر في الأخبار.
(5) انظر: ردء التعارض (8/ 402) .
(6) انظر معنى ذلك في درء التعارض (8/ 406)
يتبع