فهذا يوسف عليه السلام أراد الله أن يجعله ملكا على مصر ولكنه اوتي به عبدا وسلط عليه اقرب الاقربين ليرموه في الجب وقديما يقول الشاعر
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند
ويباع بثمن بخس دراهم معدودة ويسجن بعد ذالك مدة طويلة ليكون بهذا ملكا ولهذا عرف العلامة المختار ابن بونة رحمه الله اللطف بقوله
واللطف ابراز الامور جاء في ... سور اضداد كما ليوسف
صيره رقا لكي ينالا ... ملكا وعزا ربه تعالى
فحصار الشعب الذي فرض على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واصحابه وبني هاشم وبني المطلب بمكة ودام ثلاث سنين ظاهره محنة ولكن باطنه منحة فقد اتخذه الله لهم محضنا ايمانيا يتربون فيه ويعتزلهم فيه اهل الجاهلية ويجدون فيه هجرة في داخلهم وانقطاعا عن كل مظاهر الجاهلية حتى يحققوا قيم الايمان من الايمان والاخاء ولنصيحة لله ورسوله والصبر والجلد في الحق
قال عيسى ابن مريم فيما اخرج مالك في الموطأ وأحمد في الزهد عن يحيى ابن سعيد انه بلغه ان عيسى ابن مريم كان يقول (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم فان القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ولا تنظروا في ذنوب الناس كانكم ارباب ولكن انظروا في ذنوبكم كانكم عبيد وانما الناس مبتلى ومعافى فارحموا اهل البلاء واحمدوا الله على العافية)
التاسع: تذكر قرب الفرج الذي ياتي مع الشدة قال الله تعالى {ان رحمة الله قريب من المحسنين} وقال تعالى {الا ان نصر الله قريب}
ما بين طرفة عين وانتباهتها ... يقلب الامر من حال إلى حال
ولذالك فان ابا عمرو ابن العلاء احد النحويين المشهورين كان من القراء الذين اختارهم الحجاج في العراق عند تنقيطه للمصحف وضبطه له وتحزيبه وتعشيره فكان يقرا على الحجاج فقرا في سورة البقرة {ان الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} والحجاج يقرأ بقراءة أهل الحجاز وهي {الا من اغترف غَرفة بيده} فأنكر عليه الحجاج فقال هكذا سمعت وحدثه أن روايته هكذا فقال: لتأتين بشاهد من العربية على أن فُعلة تأتي بمعنى المرة خلال شهر أو لأجعلنك نكالا فخرج أبو عمرو في الاعراب في الصحراء يتلمس الشاهد على ذالك حتى اذا لم يبق من الشهر الا يوم واحد خرج مغموما مهموما فاذا براكب يتغنى وينشد ابيتا سمعها ابو عمرو فاذا فيها الشاهد
قد يموت الجبان في آخر الصف ... وينجو مقارع الابطال
ربما تكره النفوس من الامر ... له فرجة كحل العقال
فالفَرجة والفُرجة معناهما واحد وهما للمرة كالغرفة والغرفة ففرح بذالك أبو عمرو فرحا شديدا لما استقبله الراكب قال ما وراءك من الخبر قال مات الحجاج فإذا هو فرح آخر فقال (ما ادري بأيهما أفرح بموت الحجاج أم بوجود الشاهد)
العاشرة: ان يتذكر ان الناس لا يملكون لانفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتا ولا نشورا
ما في الورى بدفاع جندك طاقة ... نمل مسلطة ضراغم عثّر
الحادية عشرة تذكر أن الثبات والصبر من المروءة لهذا فإن معاوية رضي الله عنه قال (والله ما منعني من الفرار يوم صفين الا ابيات لعمرو ابن الاطنابة وهي قوله
أبت لي عفتي وابى إبائي ... وأخذ الحمد بالثمن الربيح
واجسامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيحي
وقولي كلما جشئت وجائت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لادفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صريح
ويحسن هنا ذكر ابيات جعفر ابن علبة الكلابي فانه يقول
هوايَ مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إلي وباب السجن دوني مغلق
ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق
فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدهم ... ولا أنني بالمشي بالقيد أخرق
ولاك اعترتني من هواك ضمانة ... كما كنت القى منك اذ أنا مطلق
الثانية عشرة: تذكر العاقبة الحسنة
فهذا امير المؤمنين عبد الملك ابن مروان حين اراد غزو العراق لقتال مصعب ابن الزبير رضي الله عنهما بكت أم أولاده وحزنت لذالك وارادت أن يرسل رجلا على الجيش وأن يبقى هو في الشام في مأمن من هذه الغزوة فقال: قاتل الله كثيّر بن عبد الرحمن لكأنه ينظر الينا الان حين قال
اذا ما اراد الغزو لم تثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها
وكذالك عندما كان في حرب ابن الاشعث اهدى اليه احد امرائه جارية فكلمها فأعجب بثقافتها وذكائها وبشكلها وأدبها فباتت عنده فكف نفسه عنها وقال: والله ما يمنعني الا ابيات لأحد العرب فلو اقتربت منك لكنت ألأم العرب وهي قول الشاعر
قوم اذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
الموت في العزة خير من الحياة في الذل ولهذا قال ابو تمام في مرثيته لمحمد ابن حميد
كذا فليجل الخطب وليفدح الامر ... فليس لعين لم ترق ماءها عذر
توفيت الامال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السّفر
وماكان الا زاد من قلّ ماله ... وذخرا لمن امسى وليس له ذخر
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل الا وهي من سندس خضر
فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر اذ فاته النصر
فأغرز في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
قال الشاعر
أي يوميّ من الموت أفر ... يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا يقدر لا أرهبه ... ومتى لا يقدر لا ينجو الحذِر
قيل لعلي ابن ابي طالب ما الشجاعة؟ قال صبر ساعة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)