مع أنّ الحديث لم يصحّ كما تقدّم إلاّ أنّ هذا المعنى متحقّق فيهم إذا فعلوا ذلك لأنّ مقتضاه إهمالهم أمر الصّلاة وعدم الاشتغال بتصحيح أوضاعها، وإلاّ فلو أنّ الواحد منّا ركب سيّارة لا يحسن قائدها قيادتها لثار عليه وأبى الاستمرار معه خوفًا على نفسه في أمر دنيا، ولو أنّه كان في وفد يقابل أميرًا أو ملكًا يكلّمه في حاجة دنيويّة لما رضي إلاّ أن يكون المتكلّم عن الوفد هو أفصحهم لسانًا وأجرؤهم جنانًا حتّى يضمن حصول منفعته، فكيف يرضى أن يكون مقدّمه في الصّلاة وهم وفد إلى الرّحمن وقوف بين يديه إمامٌ لحّانٌ في قراءته مخلٌّ بأحكام صلاته مفرّطٌ في أمر دينه؟ أليس هذا لهوان أمر الصّلاة عنده.
في هذه الفقرة تشديد الإمام وتعظيمه لأمر الإمامة بالنّاس ومكانها من الدّين ولابدّ من التّوقّف هنا لنشير إلى ما وصل إليه حال الإمامة في عصرنا هذا، إذ غدت مجرّد وظيفة يتسابق عليها النّاس للحصول على بعض المال منها، ولو أنّهم قاموا بحقّها لهان الأمر ووكلنا أمر نيّاتهم إلى الله تعالى، لكنّ الأطمّ أنّ الغالبيّة العظمى مضيّعين لها متساهلين فيها، وهم على مراتب: أشدّهم إثمًا وتضييعًا من اكتفى من الإمامة بتسجيل اسمه في كشوف الأئمّة لدى إدارة الأوقاف وفي كشف المكافآت ولا يعرف المسجد ولا يدري عنه شيئًا، وإنّما أتى بوكيل عنه غالبًا ما يكون من جنسيّة آسيويّة من المُستضعفين حتّى يرضى منه بأقلّ المال، ويصلّي هذا الوكيل بالنّاس وفيهم بعض طلاّب العلم فيلحن ويُخطِىء في القرآن، وإن كان حسن القراءة فهو جاهل بأحكام الصّلاة لا يحسن التّصرّف في أقلّ الأخطاء الّتي تحدث عادةً للأئمّة، وتزيد المشكلة حين يوكل أمر صلاة الجمعة له أيضًا، ومنهم من يستحي قليلًا فيصلّي الجمعة ويحافظ على الخطبة ـ طبعًا مصوّرة من كتب الخطب المشهورة ـ الّتي قد لا يقرؤها إلاّ على المنبر فتسمع من التّخليط والأحاديث الضّعيفة والتّخبّط في القراءة ما تمجّه النّفس، ومنهم من يصلّي ويترك أو يحافظ على الصّلاة لكنّه لا يفقه من أمر صلاته شيئًا بل قد لا يحسن قراءة القرآن، وبما أنّه أُجيز من هيئة الاختبار في الأوقاف فقد اعتبر نفسه أهلًا للإمامة على وفق شرع الله، ولا مدخل للنّاس في التّخلّص منه ما دام مؤدّيًا للصّلاة باستمرار أداء صورةٍ لا حقيقة لها كجسد لا روح فيه، ومنهم من يبغضه أكثر المصلّين في المسجد لأيّ سبب من الأسباب ثمّ يصرّ على إمامتهم رغمًا عنهم لما يرتكز عليه من ثقل الرّوتين في مثل هذه الأمور أو اعتمادًا منه على من يتستّر عليه في إدارة الأوقاف ويحابيه لقرابته أو لمنصبه، أو لكونه عضوًا في بعض الأجهزة الشّرعيّة الّتي يُنظر لها بعين التّوقير، وينسى أنّ النّبيّ ? يقول: (ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة) وذكر منهم: (إمام أمّ قومًا وهم له كارهون) أخرجه ابن ماجة ح971 وابن حبّان ح1757 والطّبراني في الكبير ح12275عن ابن عبّاس رضي الله عنهما وصحّحه الألباني وأحمد شاكر من حديث أبي أمامة عند التّرمذي ح 360، ونقل التّرمذي عن عمرو بن الحارث بم المصطلق قال: كان يُقال أشدّ النّاس عذابًا يوم القيامة اثنان: امرأة عصت زوجها وإمام قوم له كارهون) قال منصور فسألنا عن الإمام: فقيل: إنّما عنى بهذا الأئمّة الظّلمة وأمّا من تمسّك بالسّنّة فلا إثم عليه 2/ 193 كما نقل عن أحمد وإسحاق: إذا كره واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس أن يصلّي بهم حتّى يكرهه أكثر القوم، ولا منافاة بينهم إذ يستحيل أن يكره أكثر المصلّين إمامًا يصلّي بهم على السّنّة ويراعي حقّهم وأمر الله فيهم، وإذا حصل فهذا نادر والغالب في ائمّتنا أنّهم إلى التّقصير أقرب، وهذا للأسف الشّديد ممّا شوّه صورة المتديّنين بل وللحقيقة أقول: إنّه أبان عن حقيقة نفسيّة بعضٍ منهم، فهم مع الدّين في كلّ شيءٍ حتّى يصل الأمر إلى أمر المال والدّنيا ترى بعضهم يلهث مسعورًا ويصارع من أجل التّمسّك بمكافأة قد لا تمثّل لكثيرٍ منهم جزءًا من عشرة أجزاء من رواتبهم الأصليّة، كما أنّ الكثير من الأئمّة يعتقد أنّه بمحافظته على أداء الفروض والقراءة من رياض الصّالحين بعد صلاة العصر قد برئت ذمّته وهذا فيه تقصير إذ المساجد لم تُجعل لأداء الصّلاة فقط، بل هي مراكز دعوة وإصلاح وتوجيه، وهم في
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)