التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف ... منقول ...
ـ [طويلب علم صغير] ــــــــ [29 - 10 - 04, 09:59 م] ـ
( التراث الإسلامي بين الأصالة والتزييف)
تراثنا .. رحلة شاقة شيقة
أ. د. محمود الطناحي
ارتبطت ضخامة التراث الإسلامي العربي وعظمته بسمة تميز بها الإسلام، وهي أنه احتوى كثيرًا من الأمم ذات الحضارات، والتي بعد أن دخلتْ في دين الله أفواجًا ونسيتْ ما كان يعبد آباؤها من قبل هجرتْ لسانها القديم، واتخذت اللسان العربي أداة فكر وبيان.
ولم يبقَ فرقٌ بين هذه الأمم والأمة العربية إلا فرق اللون والدم، وهو فرق ساقطٌ مهدر في موازين الإسلام.
ثم إن الحضارة الإسلامية فوق أنها أبدعت وأنتجت في شتى ضروب العلم والمعرفة كانت حلقة اتصال بين تراث اليونان القديم وبين اللاتينية الحديثة، مما يشهد بفضل تراثنا وحضارتنا على النهضة الأوروبية الحديثة.
والمتابع لحركة الإبداع الإسلامية يجد أنها لم تخمد جذوتها، ولم تسكن حركتها بتغير الحكام أو تبدل الأيام أو تعاقب النوائب. ومن أول ما يشهد لذلك احتواء قرني الغزو الصليبي والتتري للعالم الإسلامي نخبةً عريضةً من كبار العلماء والمفكرين، مع أن الهجوم الكاسح كان كفيلًا بالقضاء على هذه الأمة لولا دفع الله وصيانته لها بما أودعه في روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار.
كما أن غياب حاضرة من حواضر الإسلام عن الساحة الفكرية كان داعيًا لقيام حاضرةٍ أخرى تملأ الفراغ وتدعم المسيرة.
وأمر آخر أشد وضوحًا هو أن كثيرًا من تراثنا قد بقي موفورًا يملأ الخزائن
العامة والخاصة إلى عهدٍ قريب، وأن ما ضاع منه بسبب غفلة الناس وتفريطهم أكثر مما ضاع بسبب عوادي الحروب والأيام، ولا زالت الأيام تظهرنا على مخطوطات نفيسة كنا نعدها من المفقودات. وكم في الزوايا من خبايا.
ولكي يعلم القارئ قدر العطاء العلمي الذي خلفه لنا سلفنا عليهم رحمة الله فليراجع ما أُلّف من كتبٍ للفهرسة ك (الفهرست) لابن النديم، أو (كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون) لمصطفى عبد الله؛ وهو من أنفع وأجمع ما كُتب في موضوعه بالعربية، أو (خزائن الكتب العربية في الخافقين) للفيكونت فيليب دي طرّازي؛ وقد أحصى في هذا الكتاب عدد المكتبات العربية في العالم فبلغت نحو 1500 مكتبة يُقدر ما فيها من كتبٍ عربية بنحو 262 مليون مجلد ما بين مخطوطٍ ومطبوع.
مراحل النشر:
لم يعدم المسلمون أسلوبًا في حفظ تراثهم ونشره؛ فقبل أن تظهر الطباعة كان الأسلوب المعتمد في نشر كتب التراث هو النسخ، حتى راجت صنعة الوراقة والنساخة، وكان لها أماكنها في الأمصار التي يؤمها العلماء.
ومع أن الطباعة ظهرت في القرن الخامس عشر على يد جوتنبرج الألماني، وتبع ذلك انتشار المطابع في أوروبا ومنها مطابع عربية، إلا أن المشرق الإسلامي لم يعرف الطباعة إلا في وقتٍ متأخر عن ذلك؛ حيث بدأت في الآستانة في 1551م، ثم في لبنان عام 1610م، وانتقلت بعدها إلى عدة أقطار.
المرحلة الأولى لنشر التراث:
ومما ينبغي ذكره أن الطباعة العربية صُبغت بصبغة تنصيرية تبشيرية في
تلك الفترة حتى أنشئت مطبعة بولاق التي عرفت (بالمطبعة الأميرية) في القاهرة بعد رحيل نابليون بفترة وذلك في عام 1819م أو 1821م، وطبع فيها مئات الكتب من مختلف الفنون من التفسير والحديث والأصول واللغة والتاريخ والطب والأدب وغير ذلك من فنون التراث.
ويمكن لي أن أسجل ثلاث حقائق اتسم بها نتاج تلك الفترة من كتب التراث:
أولًا: أن النظرة للتراث كانت شمولية ترمي إلى إظهار كنوزه ونشر الأمهات والأصول في كل فن، ولم يكن الدافع ماديًا؛ لذلك غلب على الطباعة طباعة الموسوعات.
ثانيًا: أن حركة إحياء التراث تزامنت مع إنشاء دار العلوم التي رأسها الشيخ حسين المرصفي التي تمثل رد فعلٍ قوي على الدعوة إلى العامية.
ثالثًا: دور الأزهر كان بارزًا وبَصْمَتُهُ كانت مميزة على نشاط المطبعة خلافًا للحال في لبنان الذي سيطر عليه القساوسة والرهبان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)