على ضوء ذلك: فهل يمكن إلحاق مشروعات الدواجن بعروض التجارة أم لا؟
إن مفهوم (عروض التجارة) كما عرّفه (ابن قدامة) بقوله:(غير الأثمان من
المال على اختلاف أنواعه، من: النبات، والحيوان، والعقار، وسائر المال،
فمن ملك عرضًا للتجارة فحال عليه الحول وهو نصاب: قوّمَه في آخر الحول، فما
بلغ أخرج زكاته، وهو: ربع عشر قيمته) [3] ، كما يحدد (ابن رشد) مفهوم
(العروض) بأنه ما قصد به التجارة بقوله:(اتفقوا على أن لا زكاة في العروض
التي لم يقصدها التجارة) [4] ، والمعنى اللغوي للعروض هو: كل ما خالف النقد
من متاع الدنيا وأثاثها.
وقال الإمام (النووي) :(مال التجارة: كل ما قصد الاتجار منه اكتساب المِلك
بمعاوضة المال: مال تجارة).
فهل صناعة الدواجن تعتبر من عروض التجارة، وبالتالي: تعطى حكم
عروض التجارة؟.
إن طبيعة صناعة الدواجن التي أوضحناها فيما سبق لا تتصف بصفة التجارة، حيث إنه لا يتم الاتجار بأعيان معينة؛ فالمشروع الذي ينتج أفراخ الدجاج اللاحم
والبياض، يقوم بشراء البيض المخصب ممن ينتج هذا البيض من مشروعات
الأمهات، ويتولى إجراء عملية التفقيس، ثم التسمين لفترة محدودة، بعدها يبيع
المنتج، فصناعة الدواجن ليست أعمالًا تجارية، وإنما هي تشبه ما ينتج عن
الحيوان، مثل الحليب الناتج، فأمهات الدجاج تنتج البيض المخصب، الذي ينتج
عنه أفراخ لإنتاج اللحم أو البيض، فالأصل هو دجاج الأمهات اللائي ينتجن بيضًا
مخصبًا لإنتاج دجاج بيض الأكل، أو بيضًا مخصبًا لإنتاج دجاج اللحم، وبالتالي:
فإن الجامع بين الدجاج والنحل هو ما ينتج عنهما، فالعسل ناتج من النحلة،
وأمهات الدجاج ينتج عنهن دجاج لإنتاج البيض أو أفراخ يتم تسمينها من أجل اللحم .. فالجامع هو بقاء الأصل وبيع المنتج.
(1) فقه الزكاة، للقرضاوي، ج1، ص 431.
(2) انظر: المغني، ج3، ص 30.
(3) انظر: المغني، ج3، ص30.
(4) بداية المجتهد، ج1، ص25.
دراسات اقتصادية
آراء وتأملات في فقه الزكاة
د. محمد بن عبد الله الشباني
استأنف الكاتب حديثه في الحلقة الماضية عن صور الإنتاج الزراعي، حيث
فصّلَ الحديث عن زكاة الثروة الحيوانية ومنتجاتها مسترسلًا في الحديث عن
الدواجن بوصفها نوعًا من الثروة الحيوانية وقد كيّفها فقهيًا وخلص إلى أن فيها زكاة
محدِّدًا نصابها ومقدارها. ويواصل الكاتب في هذه الحلقة طرح مرئياته عن الزكاة
في عسل النحل.
-البيان -
عرفنا حكم زكاة الدواجن حسب ما توصلنا إليه بإلحاق حكمها بحكم زكاة
العسل وهنا نفصل حكم زكاة العسل ومقداره على النحو التالي:
أولًا: إن العسل من الطيبات التي أنعم الله بها على عباده، وقد سميت سورة
من سور القرآن بسورة النحل، وقد أشار المولى (عز وجل) إلى النحل بوصفه
مخلوقًا من مخلوقات الله التي يجب على الإنسان أن يتفكر في طبيعتها ويستدل بها
على عظمة الخالق، يقول (تعالى) :] وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ
الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ
رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أََلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُُونَ [[النحل: 68، 69] ، والجامع بين النحل باعتباره ثروة حيوانية
والأنعام: أن كلا النوعين ينتج عنهما شراب فيه غذاء للناس، يقول (تعالى) :]
وَإنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا
لِّلشَّارِبِينَ [[النحل: 66] .
ثانيًا: اختلف فقهاء المسلمين في وجوب الزكاة في العسل على قولين:
الأول: من يقول بوجوب الزكاة في العسل، وهم الأحناف، وقد اشترطوا ألا
يكون النحل في أرض خراجية؛ لأن الأرض الخراجية يُدفع عنها الخراج، ولا
يجتمع حقان لله في مال واحد بسبب واحد، ويروى ذلك عن الإمام أحمد، حيث
سئل: هل في العسل زكاة؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل زكاة العشر؛ قد
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)