ومن التوافق بين المذهبين المالكي والحنبلي، كثرة الأصول والكليات التي يعتمدها علماء المذهبين في تخريج الأحكام وبناء الفروع، فإلى جانب الأصول المجمع عليها بينهم وبين غيرهم، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، نجد المالكية والحنابلة يعتبرون مقاصد الشريعة ومعانيها العامة في الاستدلال، ويجعلونها حاكمة على ما لم يرد فيه نص ولا ما هو في معنى النص، متى تبين للمجتهد وجه الصلة بين الفرع المفروض وبين تلك المقاصد.
فلهذا نراهم بنوا كثيرًا من الفروع على المصالح المرسلة وسد الذرائع إلى المحرمات، وأعطوا الوسائل أحكام المقاصد.
ولنا أن نعتبر كتاب الطرق الحكيمة للعلامة ابن القيم -رحمه الله- من الكتب التي تجلت فيها البراعة الحنبلية في تطبيق الأصول المذكورة، ولا غرابة في أن يستفيد منه برهان الدين ابن فرحون المالكي، في كتابه بعض الفصول من تبصرته، ما دامت مدارك المذهبين متقاربة في ذلك.
ومن تأمل تصرف شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه، ألفاه منوهًا في العديد من المواضع بالتوافق بين الأصول المالكية والأصول الحنبلية.
فعلى سبيل المثال، في سياق الكلام على نكاح التحليل قال (مجموع الفتاوى: 20 - 378) :
وهذا موافق لأصول أهل المدينة، فإن من أصولهم أن القُصود في العقود معتبرة .. الخ.
وفي سياق الكلام على تحريم الربا، قال (29 - 27) : والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب، فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد .. الخ.
وفي الكلام على بيع الثمار المغيبة في الأرض، قال (29 - 39) : فقياس قوله -يعني أحمد- جواز بيع المقثأة إذا بدا صلاح بعضها .. إلى قوله: والغرض من هذا: أن أصول أحمد تقتضي موافقة مالك في هذه المسائل .. الخ.
وبعدُ، فما الجديد في هذه الموسوعة؟
بعد هذا العرض المتعلق بالناحية الموضوعية لهذه الموسوعة، يحسن التنويه بما تم القيام به من أعمال في إخراجها بشكلها الذي يجده القارئ، من الناحيتين العلمية والفنية، حتى يتضح الهدف من ذلك، والذي يتمثل أساسًا في قرن الموطأ، بأهم شروحه التي وضعت عليه،
وذلك بوضع متنه في أعالي الصفحات، مصححًا على عدد من النسخ الخطية زيادة على المطبوعة المعتمدة،
ثم إرداف التمهيد عليه، بعد إعادة ترتيبه ليتوافق مع ترتيب أبواب الموطأ وأحاديثه، وتصحيحه على أصوله الخطية التي جمعت من عدة مكتبات في تركيا، والرياض، والمدينة النبوية، ودمشق، والظاهرية، والرباط، وفاس، مع الاستعانة في ذلك بمساعدات أخرى منها النسخة المطبوعة، ومصادر التخريج.
يليه الاستذكار، مصححًا أيضًا على عدد من النسخ الخطية التي توفرت من دار الكتب المصرية، واسطنبول والجامعة الإسلامية بالمدينة، والمتحف البريطاني، بالإضافة إلى النسخة المطبوعة المعتمدة.
ولما كان الاستذكار مختصرًا للتمهيد في خصوص الأحاديث المرفوعة، فقد اجتُزئ بالأصل، وأُسقط المختصر، فصار المثبت من الاستذكار قاصرًا على شرح الآثار الموقوفة والمقطوعة، وأقوال مالك.
وفي الأخير يأتي القبس، مصححًا أيضًا على نسختين خطيتين إضافة إلى المطبوعة.
ونظرًا لوِجَازَتِه، فقد جاء مفرقًا على الكتاب في مواضع متباعدة، وغالبًا ما يكون في مقدمات الكتب والتراجم، لأن مؤلفه لم يهتم بتفاصيل الأحاديث، بقدر ما اهتم بإعطاء ملخص عام لفقه الباب وما يشتمل عليه من المعاني الكلية.
وتم ضبط النص ضبطًا يبين إعراب الكلمات ويزيل إشكالها، وشرح الغريب، والتعريف بالأعلام والأماكن، ونحوها، وترقيم الآيات مع عزو القراءات حيث ذكرت، وتخريج الأحاديث والآثار، وعزو نصوص الموطأ إلى ما توفر من الروايات الأخرى المطبوعة والمخطوطة، وغير ذلك مما سيجده القارئ مبنيًا في المقدمة.
ولإتمام الفائدة أعدت للموسوعة فهارس فنية متنوعة، تكون عونًا ومفتاحًا للباحث في طلب ما يريده من مثاني الكتاب.
وإخراج هذه الكتب بشكلها هذا، سيضع الفقيه والمتفقه أمام مرجع من أهم المراجع التي يلتقي فيها الفقه مع الحديث، والأثر مع النظر، ويُشرِف به على مذاهب أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تلاهم من أئمة الفتوى من مختلف الأمصار.
ولا شك أن عصرنا الحاضر من أحوج العصور إلى هذا النوع من الكتب الجامعة النافعة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)