ـ [محمد خلف سلامة] ــــــــ [02 - 11 - 05, 02:22 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله.
ما أعظم الحسرة أن تعض الأمة بناجذيها على تراثها حتى تصل به أو ببقيته إلى شاطئ الأمان، رغم صعوبة الأمر وخطورة التحدي وقلة الأعوان؛ ثم يأتي بعد ذلك كله من الخالفين من يضيعه في هذا الزمن الأخير الذي لا يصعب فيه حفظ التراث وخدمته لو كانوا يحرصون؛ لقد باعوه بأبخس الأثمان وضيعوه في وقت الدعة والأمان؛ نعم ضيعوه ولكن لا يذهبن بك الوهم بعيدًا فتظن أنهم أضاعوه بتحريقه وتمزيقه وتغريقه وتفريقه كما فعل المغول وغيرهم قديمًا وكما يفعل إخوانهم حديثًا؛ لا تظن ذلك، فإنهم إنما أضاعوه بطريقة أخرى هي تحريف المحرر وتصحيف المصحح وتسويد المبيَّض، ولم فعلوا ذلك؟ إنهم إنما فعلوه جهلًا وتسرعًا أو تعالمًا وطمعًا أو تساهلًا وتهاونًا ولعبًا.
ما أشد خيبة أملك وأعظم حسرتك عندما تمتلئ نفسك سرورًا بالوقوف على كتاب يطبع لأول مرة ثم تجعل تطالعه بشغف واندفاع، ثم لا تلبث أن تفاجأ بسيل من جهالات المحقق وحماقاته، محقِّق ومخرِّج ومعلِّق!! ولكنه من الصنف الذي يأبى إلا أن يستبدل بالصواب خطأ، ومن الطراز الذي تشكل عليه العبارة لسوء فهمه ونقص علمه فيدعي لها خللًا، ومن الفريق الذي يصر على أن يخرِّج كل آية ولو كانت من آيات فاتحة الكتاب، وأن يترجم لكل علَم، ولو كان أبا هريرة، أو عمر بن الخطاب، ولكل بلد ولو كان مكة أو بغداد؛ مع أنه لم يكلف نفسه - عجزًا أو كسلًا - أن يحل بعض معضلات الكتاب؛ أو يقرب بعض ما تباعد من معانيه عن أكثر أهل هذا العصر المصاب؛ ويأبى إلا أن يخرج الجزء الذي قدره عشرون صفحة في مئات الصفحات بتعليقات باردات يمجها الذوق السليم ولو لم يبلغ من السلامة أعلى مراتبها، وتنفر منه النفوس السوية على اختلاف طبائعها.
يأتي أحدهم فيعلق على تفسير الكشاف ويكتب على غلافه: (شرحه وضبطه وراجعه---) ثم يأتي إلى عيارة نقل فيها الزمخشري عن المقرئ الشهير ابن كثير فيعرِّف هذا المحقق ابنَ كثير هذا في الهامش بأنه ابن كثير صاحب التفسير المشهور!! فما أروع هذا التحقيق!! أما علم أن الزمخشري توفي سنة (538 هـ) ، وأن ابن كثير توفي سنة (774 هـ) ؛ فمثله كمثل من يقرأ (فخرّ عليهم السقف من تحتهم) فخالف النقل والعقل.
ومصيبة التراث بهؤلاء غنية عن التطويل والتفصيل ومتجاوزة لحدود الحاجة إلى التمثيل والتدليل؛ ولكنها الذكرى أو الشكوى؛ ولطالما خف ألم العليل بشكواه إلى طبيب أو خليل.
وبعد.
أيها الأخوة، إن بحر هذا الأمر قد فاض وإن سيله قد اشتد؛ فهل من مأوى يعصم كتب أسلافنا من الغرق فيهما؛ وطريقة تنجي ما قد وقع من بقية هذا الإرث النفيس في طريقهما؟
هل إلى إيقاف ذلك الفيضان الجارف من سبيل؛ ألا من قوة علمية أو غير علمية تقف في وجه هذه الهجمة الجاهلة الحمقاء التي لا أُبعد أن تكون أشد ضررًا وأعظم فتكًا بهذا التراث العظيم من هجمة التتر وأشباههم عليه يوم وقع ذلك.
إن هذا التلاعب تضييع للعلم واللغة والدقة والأمانة، وإفساد للذوق وتعقيد للأمور وتنفير للناس من كتب علماء الأمة وأئمتها؛ وثم مفاسد أخرى كثيرة، وفيما ذكرته كفاية لغير جاهل لا يفهم خطورة الأمر أو معاند لا ينقطع إلى أن تشهد عليه أعضاؤه.
تقدم مثال من جهالات بعض المعلقين على الكتب في هذا العصر؛ وإليك مثالًا آخر هو أخطر من سابقه بكثير:
قال الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع في حواشيه على (المقنع) لابن الملقن (1/ 382) تعليقًا على بعض المسائل: (وليس من هذا ما يصنعه كثير من الجهلة من مدعي التحقيق في هذا الزمان من إقحام زيادات في الأسانيد والمتون في الكتب الحديثية اعتمادًا منهم على مصادر التخريج، وحسبانًا منهم أنهم يستدركون نقصًا وقع في محقَّقِهم، وهم في الواقع يصلون المرسل، ويرفعون الموقوف، ويزيدون في المتون ما ليس من رواية من حققوا كتابه(!) ، مثال ذلك حديث يرويه وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن النبي صلى الله عليه مرسلًا، فيقع في مصنف آخر (عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم) موصولًا، فيقحم الجاهل من هؤلاء (عن عبد الله بن مسعود) في إسناد نسخته المحققة، فيصله بعد أن كان مرسلًا، وربما كان هذا من الاختلاف الذي يعل به الحديث، فتأمل).
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)