ثم يقول ابن كثير:"ولم ينج أحد من الناس ـ بعد أن وصف القتل الشديد ـ سوى من هو من أهل الذمة من اليهود والنصارى , ومن التجأ إليهم , وإلى دار الوزير ابن العلقمي".
كانوا صفوفًا خامسة، وطوابير خامسة، ويمالئون الأعداء، ولذلك لم يصبهم ضرر، هؤلاء الذين يظهرون لنا أنهم أولياء وأحباء وأنهم كذا وكذا، لا يؤمن غير المسلم على أمة الإسلام أبدًا لا في دينها ولا عقيدتها، وهذا الأمر الأول ولا في مقدراتها وثرواتها، ولا في أوضاعها وأخلاقها مطلقًا، وهذا التاريخ يحدثنا بذلك حديثًا شافيًا واضحًا.
ويزيد ابن كثير - رحمة الله عليه - في وصف تلك المأساة فيقول:"وقع هول شديد , كان الناس يُقْتَلون ويبادون , أربعون يومًا والسيف يعمل في أهل بغداد، حتى كسروا عليهم البيوت،فهربوا وصعدوا إلى الأسطحة , فصاروا يقتلون على الأسطحة، حتى سالت ميازيب (السقايات) بغداد من دماء المسلمين"، وقال - رحمة الله عليه:"عُدة من مات من المسلمين قيل ثمانمائة ألف من المسلمين، وقيل ألف ألف - يعني مليون -"، مما يدل على عظيم الهول.
معركة عين جالوت:
وعندما نتأمل فيها سنجد أن ومضات النصر ظاهرة أيضًا، فهنا المظفر قطز الذي أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله؟ لما سمع بأمر التتار وأخذهم لبلاد الشام، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر ما انتظرهم , ولكن توجه هو بجيوشه، قال ابن كثير:"وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام - يعني اجتمعت الكلمة لقواد وأمراء المسلمين."
ووُصف هذا الملك بأنه كان شجاعًا وكان صالحًا"قال ابن كثير:"لا يتعاطى شيئًا مما يتعاطاه الملوك والأمراء، في ذلك الزمن أي من المفاسد والمعاصي، وكان أنِ اجتمع هو التتار في عين جالوت في الجمعة في الخامس والعشرين من شهر رمضان من عام 658 هـ فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، وكانت النصرة - ولله الحمد - للإسلام وأهله"، فهزموا التتار الذين كانوا منتصرين قبل سنتين، والذين فعلوا الأفاعيل في بغداد، هزموا هذه المرة وتتبعهم المسلمون حتى بلغوا دمشق، وحتى بلغوا وراءهم إلى حلب وهم يفرون، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف إلى ما يقرب من مئات الآلاف، فكان هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة."
عندما تهيأت بعدُ أسباب النصر، وقتلت العامة في تلك الفترة في الجامع شيخًا رافضيًا مصانعًا للتتار على أموال المسلمين، وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات، ثم قال ابن كثير في وصف قطز:
"كان شجاعًا بطلًا، كثير الخير، ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه , ويدعون له كثيرًا، وقال: لما كان في القتال قُتلت فرسه، فظل يقاتل وهو واقف , فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرسًا بديلًا عنها، فرفض ذلك وظل يقاتل، فقالوا له: لماذا لم تقبل ونحن نريد أن لا تهزم , فينهزم بك الإسلام والمسلمون؟ فقال: أما أنا لو قتلت فكنت أروح الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه".
وهذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم , وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها.
المقصد إذًا - أيها الإخوة - أننا عندما نرى نصرًا فينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت، وكذلك أمر الهزيمة؛ فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم، إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية، ومن وجوب التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها، وإعلانها الحرب على الله - سبحانه وتعالى - بما تجهر به من معاصيه، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه، وأن نفطن إليه، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني في حياة الأمة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)