فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 57979 من 72678

ـ [كاتب] ــــــــ [26 - 05 - 08, 07:23 ص] ـ

الوزير يدخل النار

ثروت الخرباوي: بتاريخ 2 - 4 - 2008

هذه قصة حقيقية مازال بطلها على قيد الحياة، وقد استأذنته في كتابتها فأذن لي بذلك بشرط عدم ذكر اسمه، ولا أخفيك سرًا أنني عندما استمعت لهذه القصة كنت بين مكذب ومصدق، إلا أن الدموع التي انهمرت من عين بطلها وهو يرويها، وبدني الذي اقشعر من هول ما سمعت جعلا صدق الرجل عندي لا مراء فيه.

وبطلنا وزير سابق في وزارة سيادية، كانت سطوته وقسوته مضرب الأمثال، وقد خرج من الوزارة عقب أزمة سياسية طاحنة مرت بالبلاد، ولم يكن من المقدّر لي أن ألتقي بهذا الوزير السابق لولا أن صديقًا لي اشترى منه قطعة أرض، وبحكم الصداقة طلب مني صديقي أن أتحقق من الملكية وأحرر عقد البيع، وعندما أنجزت المهمة الموكلة إلىّ حانت لحظة التوقيع على العقد الابتدائي فطلبت من صديقي اصطحاب الوزير السابق إلى مكتبي حتى يقوم بالتوقيع باعتباره بائع الأرض، إلا أن صديقي زمّ شفتيه وزوى حاجبيه وقال بلا مبالاة مصطنعة ... الرجل بلغ من الكبر عتيًا .... وقد لا تساعده صحته على الحضور إلى مكتبك، خاصة وأن مكتبك في مصر الجديدة وهو يقيم في الضفة الأخرى من المدينة، فهل يضيرك أن ننتقل نحن إليه؟ ... وثق أنه لن يضيع من وقتك الكثير، ففي دقائق سنكون في الفندق الأثير للرجل وهو فندق نصف مشهور في أطراف الجيزة في منطقة هادئة، وقد اعتاد الوزير السابق ارتشاف فنجان قهوته صباح كل يوم في الركن الشرقي بهذا الفندق، وحسبك يا أخي أنك ستلتقي بوزير كانت الدنيا تقوم ولا تقعد من أجله، بل إن كل وزراء مصر في وقته كانوا يتمنون رضاه ... وعلى مضض وافقت إذ لم يكن من المألوف في عملي أن ألتقي بالعملاء خارج المكتب، وفي اليوم التالي كانت السيارة تنهب الأرض نهبًا في طريقها إلى الجيزة، وكانت قطرات المطر تنساب على زجاج السيارة الأمامي برتابة مملة، في الوقت الذي ظل صديقي فيه يتحدث بلا توقف وبرتابة مملة أيضًا إلا أنني تشاغلت عنه بمراجعة الأوراق والعقود.

ومن بعيد رأيت الرجل ... يا الله ... أهذا هو من ارتعدت فرائص مصر من بطشه وجبروته؟!! أهذا هو من ألقى العشرات في السجون وبغى وتجبر ... ؟!! ها هو يجلس وحيدًا في ركن منزوٍ وقد خط الزمن بريشته خطوطًا متقاطعة على وجهه، وفعل الأفاعيل في تقاطيعه فتهدل حاجباه وتدلت شفتاه وبدا طاعنًا في السن وكأنه جاء من زمن أهل الكهف.

وعلى الطاولة وبعد همهمات وسلامات قدمت الأوراق إلى الرجل وأعطيته قلمي كي يوقع على العقد، إلا أنه أخرج قلمًا من معطف كان يضعه على كرسي قريب منه ثم خلع قفازه، وارتدى نظارة القراءة وسألني بابتسامة باهتة ... أوقع فين يا أستاذ؟ فأشرت له إلى خانة في الصفحة الأخيرة، وأمسكتها له كي أساعده، وفي اللحظة التي قام فيها الرجل بالتوقيع على العقد جفلت يدي رغمًا عني، فوقعت الورقة مني، إذ وقعت عيناي على ظهر يد الرجل اليمنى فرأيت بقعة مستديرة ملتهبة في جلده يتراوح لونها بين الاحمرار والاصفرار وكأنها سُلخت على مهل، والغريب أنني شممت رائحة شواء تنبعث من هذه البقعة وكأنها ما زالت تشوى على النار!!! ويبدو أن الوزير السابق تنبه لحالة الارتباك التي أصابتني، وتوقعت أن يهب ثائرًا متبرمًا، إلا أنه وعلى عكس ما توقعت نظر إلىّ نظرة حانية هادئة وكأنه أبي، وإذا بملامح طيبة ترتسم على وجهه بلا افتعال، ملامح لا علاقة لها بالوزير المتغطرس الباطش المستبد، وكأن ملامحه الطيبة هذه تدل على رجل من أهل الله، وبيد مرتعشة تفوح منها رائحة الشواء قدم لي الوزير العقد قائلًا: اتفضل يا أستاذ، ثم التفت لصديقي قائلًا: مبارك على الأرض .... اتفضلوا أكملوا الشاي.

ومع الرشفة الأخيرة وبعد عبارات التهنئة جمعت كل ما أملك من قوة وقلت له سلامة يدك يا معالي الباشا، شفاك الله وعافاك ... خير إن شاء الله .... يبدو أن شيئًا ما أصاب يدك قبل حضورنا فشكلها ملتهب جدًا .... ولم يرد الرجل إلا بتمتمة غير مفهومة، إلا أنه نظر في الفراغ الذي أمامه نظرة أسى وحزن وكأنه أتعس رجل في العالم.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت