الصورة، إلا أنها غابت عن تصوّر العربي الجاهلي. وفيما سكتت المصادر عن مثل هذا الاعتقاد، إلا أنها أمدّتنا بمعلومات عن عقائد أخرى تتعلق بالزمان ومصاعب الحياة، ومن ذلك ظهور مفاهيم حول الدهر، والقدر، والقضاء، والموت، والحياة ووجود قوى خفية من الجن الشياطين.
ولدى قراءتنا لمفهوم الدهر عند الجاهليين يتضح لنا منه أمران: أولهما أنه قوة كبرى مؤكدة لا مرد لحكمها، وثانيهما أن الدهر يحمل في طياته مخاوف من نوازل تنزل بالناس. فهو كالقدر الأعمى، ولذا يقال: «بنات الدهر» وهي الدواهي.
والدواهي هي أكثر ما يخيف الإنسان الجاهلي، ولذا فإنا نجد قائمة طويلة في «المرصّع» لكنى الداهية. ومن الدواهي يأتي الخوف من الموت، فهو «الحمام» و «المنية» وهو القدر الذي لا يمكن الهرب منه، ولعل هذا له علاقة بالإله «مناة» أحد أصنام الجاهليين [1] .
وقد توقف الجاهلي عند سر الموت المحتوم، وفي غياب أي فكرة عن الحياة الآخرة، سوف يؤدي به الأمر إلى التشاؤم:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطىء يعمّر فيهرم [2]
ويقول طرفة [3] :
ألا أيهذا اللائمي أن أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ويحظى الموت بعدد كبير من الكنى فهو: أبو يحيى، وأم البليل، وأم الجنين، وأم الرقوب، وأم قسطل، وأم قشعم، وأم اللهيم، وأم الهم.
(1) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 6/ 157.
(2) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى: 92. في شرح الزوزني للمعلقات السبع.
(3) البيتان من معلقته: 64في المصدر أعلاه.